شهر عصيب ينتظر المسجد الأقصى.. الاحتلال يحول ساحات المسجد إلى ورقة انتخابية
الرسالة نت - خاص
لم يعد المسجد الأقصى مجرد عنوان ثابت في خطاب اليمين (الإسرائيلي)، بل تحول إلى ورقة انتخابية تُختبر نتائجها على الأرض، مع تصاعد الاقتحامات والطقوس اليهودية داخل باحاته ومحيطه، واقتراب انتخابات الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وبينما تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع، يقف الأقصى أمام شهرين شديدي الحساسية، تتزامن خلالهما الانتخابات مع سلسلة من الأعياد والمناسبات اليهودية، بما يفتح الباب أمام مزيد من الاقتحامات والطقوس ومحاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد.
ويحذر فلسطينيون من أن اليمين الإسرائيلي، ولا سيما تيار الصهيونية الدينية، قد يستخدم الأقصى لتعزيز حضوره لدى قاعدته الانتخابية، مستفيدا من اعتقاده بأن التصعيد في المسجد لم يعد يفرض عليه الكلفة السياسية والأمنية التي كانت تحد من خطواته في السابق.
5209 اقتحاما في شهر واحد
المؤشرات الميدانية تعكس بالفعل تصاعدا لافتا.فبحسب تقرير محافظة القدس، اقتحم 5209 مستوطنين المسجد الأقصى خلال أغسطس/آب الماضي، في واحدة من أكثر موجات الاقتحام كثافة، بينما بلغ عدد المقتحمين في يوم واحد، في 13 أغسطس/آب، 751 مستوطنا.
وقالت المحافظة إن الاقتحامات رافقها أداء طقوس دينية يهودية داخل باحات المسجد وفي محيط أبوابه، تحت حماية مباشرة من الشرطة (الإسرائيلية)، إلى جانب إصدار قرارات إبعاد بحق فلسطينيين.
ولم تكن هذه الانتهاكات معزولة عن سياق أوسع في القدس؛ إذ وثقت المحافظة خلال الشهر ذاته مقتل فلسطينيين اثنين وإصابة 83 واعتقال 114، بينهم خمسة أطفال، إضافة إلى 44 اعتداء للمستوطنين، و40 عملية هدم وتجريف، و86 إخطارا وقرارا بالهدم أو وقف البناء.
وفي نظر الفلسطينيين، تعكس هذه الأرقام انتقالا متدرجا من الاقتحامات إلى محاولة إعادة تشكيل المشهد داخل القدس والمسجد الأقصى.
الأقصى.. ورقة رابحة لليمين
ويقول الكاتب الفلسطيني ومدير مركز دراسات القدس عبد الله معروف إن وجود الأقصى في أجندة الانتخابات الإسرائيلية ليس جديدا، لكن الجديد هو أن الملف أصبح يتحول إلى ممارسة انتخابية على الأرض.
ويشير معروف في مقال له إلى أن تيار الصهيونية الدينية ينظر إلى المسجد باعتباره "ملفا رابحا داخليا"، خصوصا مع قناعة لدى بعض قادته بأن تغيير الوضع القائم فيه لن يترتب عليه ثمن كبير.
وهذا التيار، بحسب معروف، لا يقتصر على حزب واحد، وإنما يمتد داخل أحزاب اليمين، وفي مقدمتها الليكود، إلى جانب أحزاب الصهيونية الدينية والعظمة اليهودية وغيرها.
ورغم وجود خلافات داخل التيار بشأن حدود الاقتحام والطقوس، فإن الجامع بينها، وفق معروف، هو السعي إلى تغيير الوضع القائم في المسجد، وتقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية، وصولا إلى فرض السيادة والإدارة (الإسرائيلية).
ويقول إن هذا التحول جعل الأقصى "في قلب العملية السياسية الإسرائيلية"، بعدما تجاوز مرحلة الشعارات الانتخابية إلى ما وصفه بالتطبيق العملي.
بن غفير.. الدعاية إلى سياسة
يبرز اسم إيتمار بن غفير في مقدمة السياسيين (الإسرائيليين) الذين جعلوا الأقصى جزءا من خطابهم السياسي.
فبن غفير لم يكتفِ بإطلاق المواقف من خارج المسجد، بل اعتاد أن يجعل اقتحاماته للأقصى منصة لإطلاق تصريحات سياسية، في خطوة يرى فلسطينيون أنها حولت المسجد إلى مسرح للدعاية اليمينية.
ويرى معروف أن ما فعله بن غفير خلال وجوده في الحكومة أسهم في نقل مطالب جماعات "المعبد" من هامش الخطاب السياسي إلى داخل مؤسسات الدولة، من خلال سياسات وإجراءات تتعلق بالاقتحامات والصلوات والشرطة وإدارة المسجد.
ويحذر من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تكثيفا لهذه الممارسات، خصوصا مع اقتراب سلسلة الأعياد اليهودية التي تشكل عادة مواسم تصعيد في الأقصى.
الوعود الانتخابية إلى الواقع
وتذهب عضو هيئة العمل الوطني والأهالي في القدس رتيبة النتشة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن ما طرحه بن غفير وحلفاؤه خلال الانتخابات السابقة باعتباره شعارات انتخابية، بدأ يتحول إلى واقع.
وتقول إن ملف الأقصى كان حاضرا بقوة في حملات بن غفير، التي تضمنت مطالب تتعلق بالمسجد وبناء ما يسمى "الهيكل الثالث"، قبل أن تنتقل هذه المطالب، بعد دخوله الحكومة، إلى إجراءات على الأرض.
وتشير النتشة إلى أن التصعيد لم يقتصر على الاقتحامات، بل رافقته موازنات وبرامج لدعم المؤسسات الدينية والثقافية، وتوفير الحماية ووسائل النقل للمستوطنين، إلى جانب تغييرات داخل الأجهزة الأمنية.
وترى أن الأخطر يتمثل في تغير الخطاب (الإسرائيلي) نفسه، من الحديث عن إدارة الوضع داخل المسجد إلى الحديث عن إنهاء "الوضع القائم" والانتقال إلى فرض السيادة (الإسرائيلية).
من التقسيم إلى السيطرة
بحسب النتشة، فإن الخطاب السياسي الحالي يذهب باتجاه ما تسميه "حسم الصراع" في الأقصى، بعد سنوات من العمل على فرض التقسيم الزماني والمكاني بصورة تدريجية.
وتحذر من أن ترجمة هذا الخطاب إلى إجراءات عملية قد تعني منح الشرطة (الإسرائيلية) صلاحيات أوسع للتحكم في الدخول إلى المسجد، وتحديد من يُسمح له بالدخول، وتحويل الأقصى تدريجيا من مكان عبادة إسلامي إلى موقع يخضع لنظام إسرائيلي كامل.
وهنا تتقاطع قراءتها مع تحذير معروف من أن الحديث عن "الحفاظ على الوضع القائم" لم يعد كافيا، لأن هذا الوضع، وفق تقديره، تغير بالفعل على الأرض.
ويقول معروف إن المطلوب لم يعد مجرد منع تغيير الوضع القائم، وإنما استعادته، لأن السنوات الأخيرة شهدت، بحسب وصفه، تغييرات متراكمة في واقع المسجد.
رجال الدين في واجهة التصعيد
فقد ظهر في الأسابيع الأخيرة خطاب متشدد من حاخامات وشخصيات دينية مرتبطة بتيار الصهيونية الدينية، يستهين بمخاوف ردود الفعل على ما يجري في المسجد.
وفي مقطع متداول، تحدث الحاخام شموئيل إلياهو عن أداء المستوطنين للصلوات والسجود داخل الأقصى، ونقل عن بن غفير حديثا عن إضافة مبان ومظلات تمهيدا لإنشاء كنيس يهودي في المسجد.
وبغض النظر عن مدى قدرة هذه التصريحات على التحول إلى خطوات رسمية، فإنها تعكس، وفق مراقبين فلسطينيين، اتساع دائرة الخطاب الذي لم يعد يطالب فقط باقتحام المسجد، وإنما يتحدث عن إقامة مظاهر دينية يهودية دائمة داخله.
وهنا تكمن حساسية المرحلة: فحين تتزامن الطموحات الأيديولوجية مع المنافسة الانتخابية، يصبح التصعيد في الأقصى وسيلة لحشد الجمهور اليميني، وليس مجرد هدف ديني أو أيديولوجي.
الأعياد.. اختبار جديد
ويأتي ذلك كله قبل سلسلة من المناسبات اليهودية التي قد تجعل الأسابيع المقبلة أكثر سخونة.
فرأس السنة العبرية، ويوم الغفران، وعيد المظلة "سوكوت"، وغيرها من المناسبات، تشكل محطات رئيسية في أجندة الاقتحامات والطقوس اليهودية في المسجد.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يخشى الفلسطينيون من أن تتداخل هذه المناسبات مع الحسابات الانتخابية، وأن يسعى قادة اليمين إلى تسجيل مواقف أكثر حدة داخل الأقصى سعيا وراء أصوات القاعدة الأكثر تطرفا.
وبذلك، قد لا يكون التصعيد المقبل مجرد نتيجة لمناسبة دينية، بل جزءا من منافسة سياسية على من يستطيع تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على تغيير الواقع داخل المسجد.
تحذيرات من غياب الكلفة
وترى هيئة علماء فلسطين أن استمرار هذه التحركات من دون رد عربي وإسلامي ودولي فاعل قد يشجع (إسرائيل) على الانتقال إلى خطوات أكثر خطورة.
ودعت الهيئة الدول العربية والإسلامية إلى وقف اتفاقيات التطبيع وتجميد أشكال التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي مع إسرائيل، إضافة إلى عقد اجتماع عاجل لمنظمة التعاون الإسلامي وتشكيل جبهة إسلامية سياسية ودبلوماسية وقانونية دائمة لمواجهة ما تصفه بمخططات السيطرة على المسجد.
كما طالبت بتخصيص صندوق عاجل لدعم القدس والأقصى وتعزيز صمود المقدسيين، إلى جانب تكثيف الحضور الإعلامي والديني لقضية المسجد.
لكن معروف يرى أن المشكلة لا تكمن في غياب البيانات أو التحذيرات، وإنما في غياب ما يفرض على إسرائيل كلفة فعلية لأي تغيير جديد.
ويقول إن تصريحات بعض قادة اليمين تكشف أن ما يشجعهم على المضي قدما هو اعتقادهم بأن "ثمن التصعيد" في الأقصى لا يزال محدودا.
شهران قد يغيران المشهد
وهكذا، يقف المسجد الأقصى أمام مرحلة دقيقة: انتخابات (إسرائيلية) تقترب، ويمين متطرف يسعى إلى تثبيت حضوره، وجماعات "معبد" ترفع سقف مطالبها، وسلسلة أعياد يهودية تفتح المجال أمام مزيد من الاقتحامات والطقوس.
وفي المقابل، تتراجع المسافة بين الخطاب الانتخابي والممارسة على الأرض؛ فما كان قبل سنوات شعارا انتخابيا لدى بعض قادة اليمين، بات اليوم جزءا من إجراءات وسياسات تُفرض تدريجيا داخل المسجد ومحيطه.
ولذلك، فإن الخطر الذي يراه الفلسطينيون لا يكمن فقط في عدد المقتحمين خلال الأيام المقبلة، وإنما في تحول الاقتحام نفسه إلى أداة سياسية، وتحول الطقس إلى أمر واقع، وتحول الانتخابات إلى فرصة لتسريع تغيير هوية الأقصى ووضعه التاريخي والقانوني.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، قد يكون السؤال الأهم ليس: كم مستوطنا سيقتحم الأقصى؟
بل: إلى أي حد سيذهب اليمين (الإسرائيلي) في استخدام المسجد صندوقَ اقتراعٍ مفتوحا أمام جمهوره، وإلى أي حد تستطيع الأطراف العربية والإسلامية وقف تحويل الوعود الانتخابية إلى وقائع دائمة؟
الرسالة نت - خاص
لم يعد المسجد الأقصى مجرد عنوان ثابت في خطاب اليمين (الإسرائيلي)، بل تحول إلى ورقة انتخابية تُختبر نتائجها على الأرض، مع تصاعد الاقتحامات والطقوس اليهودية داخل باحاته ومحيطه، واقتراب انتخابات الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وبينما تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع، يقف الأقصى أمام شهرين شديدي الحساسية، تتزامن خلالهما الانتخابات مع سلسلة من الأعياد والمناسبات اليهودية، بما يفتح الباب أمام مزيد من الاقتحامات والطقوس ومحاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد.
ويحذر فلسطينيون من أن اليمين الإسرائيلي، ولا سيما تيار الصهيونية الدينية، قد يستخدم الأقصى لتعزيز حضوره لدى قاعدته الانتخابية، مستفيدا من اعتقاده بأن التصعيد في المسجد لم يعد يفرض عليه الكلفة السياسية والأمنية التي كانت تحد من خطواته في السابق.
5209 اقتحاما في شهر واحد
المؤشرات الميدانية تعكس بالفعل تصاعدا لافتا.فبحسب تقرير محافظة القدس، اقتحم 5209 مستوطنين المسجد الأقصى خلال أغسطس/آب الماضي، في واحدة من أكثر موجات الاقتحام كثافة، بينما بلغ عدد المقتحمين في يوم واحد، في 13 أغسطس/آب، 751 مستوطنا.
وقالت المحافظة إن الاقتحامات رافقها أداء طقوس دينية يهودية داخل باحات المسجد وفي محيط أبوابه، تحت حماية مباشرة من الشرطة (الإسرائيلية)، إلى جانب إصدار قرارات إبعاد بحق فلسطينيين.
ولم تكن هذه الانتهاكات معزولة عن سياق أوسع في القدس؛ إذ وثقت المحافظة خلال الشهر ذاته مقتل فلسطينيين اثنين وإصابة 83 واعتقال 114، بينهم خمسة أطفال، إضافة إلى 44 اعتداء للمستوطنين، و40 عملية هدم وتجريف، و86 إخطارا وقرارا بالهدم أو وقف البناء.
وفي نظر الفلسطينيين، تعكس هذه الأرقام انتقالا متدرجا من الاقتحامات إلى محاولة إعادة تشكيل المشهد داخل القدس والمسجد الأقصى.
الأقصى.. ورقة رابحة لليمين
ويقول الكاتب الفلسطيني ومدير مركز دراسات القدس عبد الله معروف إن وجود الأقصى في أجندة الانتخابات الإسرائيلية ليس جديدا، لكن الجديد هو أن الملف أصبح يتحول إلى ممارسة انتخابية على الأرض.
ويشير معروف في مقال له إلى أن تيار الصهيونية الدينية ينظر إلى المسجد باعتباره "ملفا رابحا داخليا"، خصوصا مع قناعة لدى بعض قادته بأن تغيير الوضع القائم فيه لن يترتب عليه ثمن كبير.
وهذا التيار، بحسب معروف، لا يقتصر على حزب واحد، وإنما يمتد داخل أحزاب اليمين، وفي مقدمتها الليكود، إلى جانب أحزاب الصهيونية الدينية والعظمة اليهودية وغيرها.
ورغم وجود خلافات داخل التيار بشأن حدود الاقتحام والطقوس، فإن الجامع بينها، وفق معروف، هو السعي إلى تغيير الوضع القائم في المسجد، وتقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية، وصولا إلى فرض السيادة والإدارة (الإسرائيلية).
ويقول إن هذا التحول جعل الأقصى "في قلب العملية السياسية الإسرائيلية"، بعدما تجاوز مرحلة الشعارات الانتخابية إلى ما وصفه بالتطبيق العملي.
بن غفير.. الدعاية إلى سياسة
يبرز اسم إيتمار بن غفير في مقدمة السياسيين (الإسرائيليين) الذين جعلوا الأقصى جزءا من خطابهم السياسي.
فبن غفير لم يكتفِ بإطلاق المواقف من خارج المسجد، بل اعتاد أن يجعل اقتحاماته للأقصى منصة لإطلاق تصريحات سياسية، في خطوة يرى فلسطينيون أنها حولت المسجد إلى مسرح للدعاية اليمينية.
ويرى معروف أن ما فعله بن غفير خلال وجوده في الحكومة أسهم في نقل مطالب جماعات "المعبد" من هامش الخطاب السياسي إلى داخل مؤسسات الدولة، من خلال سياسات وإجراءات تتعلق بالاقتحامات والصلوات والشرطة وإدارة المسجد.
ويحذر من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تكثيفا لهذه الممارسات، خصوصا مع اقتراب سلسلة الأعياد اليهودية التي تشكل عادة مواسم تصعيد في الأقصى.
الوعود الانتخابية إلى الواقع
وتذهب عضو هيئة العمل الوطني والأهالي في القدس رتيبة النتشة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن ما طرحه بن غفير وحلفاؤه خلال الانتخابات السابقة باعتباره شعارات انتخابية، بدأ يتحول إلى واقع.
وتقول إن ملف الأقصى كان حاضرا بقوة في حملات بن غفير، التي تضمنت مطالب تتعلق بالمسجد وبناء ما يسمى "الهيكل الثالث"، قبل أن تنتقل هذه المطالب، بعد دخوله الحكومة، إلى إجراءات على الأرض.
وتشير النتشة إلى أن التصعيد لم يقتصر على الاقتحامات، بل رافقته موازنات وبرامج لدعم المؤسسات الدينية والثقافية، وتوفير الحماية ووسائل النقل للمستوطنين، إلى جانب تغييرات داخل الأجهزة الأمنية.
وترى أن الأخطر يتمثل في تغير الخطاب (الإسرائيلي) نفسه، من الحديث عن إدارة الوضع داخل المسجد إلى الحديث عن إنهاء "الوضع القائم" والانتقال إلى فرض السيادة (الإسرائيلية).
من التقسيم إلى السيطرة
بحسب النتشة، فإن الخطاب السياسي الحالي يذهب باتجاه ما تسميه "حسم الصراع" في الأقصى، بعد سنوات من العمل على فرض التقسيم الزماني والمكاني بصورة تدريجية.
وتحذر من أن ترجمة هذا الخطاب إلى إجراءات عملية قد تعني منح الشرطة (الإسرائيلية) صلاحيات أوسع للتحكم في الدخول إلى المسجد، وتحديد من يُسمح له بالدخول، وتحويل الأقصى تدريجيا من مكان عبادة إسلامي إلى موقع يخضع لنظام إسرائيلي كامل.
وهنا تتقاطع قراءتها مع تحذير معروف من أن الحديث عن "الحفاظ على الوضع القائم" لم يعد كافيا، لأن هذا الوضع، وفق تقديره، تغير بالفعل على الأرض.
ويقول معروف إن المطلوب لم يعد مجرد منع تغيير الوضع القائم، وإنما استعادته، لأن السنوات الأخيرة شهدت، بحسب وصفه، تغييرات متراكمة في واقع المسجد.
رجال الدين في واجهة التصعيد
فقد ظهر في الأسابيع الأخيرة خطاب متشدد من حاخامات وشخصيات دينية مرتبطة بتيار الصهيونية الدينية، يستهين بمخاوف ردود الفعل على ما يجري في المسجد.
وفي مقطع متداول، تحدث الحاخام شموئيل إلياهو عن أداء المستوطنين للصلوات والسجود داخل الأقصى، ونقل عن بن غفير حديثا عن إضافة مبان ومظلات تمهيدا لإنشاء كنيس يهودي في المسجد.
وبغض النظر عن مدى قدرة هذه التصريحات على التحول إلى خطوات رسمية، فإنها تعكس، وفق مراقبين فلسطينيين، اتساع دائرة الخطاب الذي لم يعد يطالب فقط باقتحام المسجد، وإنما يتحدث عن إقامة مظاهر دينية يهودية دائمة داخله.
وهنا تكمن حساسية المرحلة: فحين تتزامن الطموحات الأيديولوجية مع المنافسة الانتخابية، يصبح التصعيد في الأقصى وسيلة لحشد الجمهور اليميني، وليس مجرد هدف ديني أو أيديولوجي.
الأعياد.. اختبار جديد
ويأتي ذلك كله قبل سلسلة من المناسبات اليهودية التي قد تجعل الأسابيع المقبلة أكثر سخونة.
فرأس السنة العبرية، ويوم الغفران، وعيد المظلة "سوكوت"، وغيرها من المناسبات، تشكل محطات رئيسية في أجندة الاقتحامات والطقوس اليهودية في المسجد.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يخشى الفلسطينيون من أن تتداخل هذه المناسبات مع الحسابات الانتخابية، وأن يسعى قادة اليمين إلى تسجيل مواقف أكثر حدة داخل الأقصى سعيا وراء أصوات القاعدة الأكثر تطرفا.
وبذلك، قد لا يكون التصعيد المقبل مجرد نتيجة لمناسبة دينية، بل جزءا من منافسة سياسية على من يستطيع تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على تغيير الواقع داخل المسجد.
تحذيرات من غياب الكلفة
وترى هيئة علماء فلسطين أن استمرار هذه التحركات من دون رد عربي وإسلامي ودولي فاعل قد يشجع (إسرائيل) على الانتقال إلى خطوات أكثر خطورة.
ودعت الهيئة الدول العربية والإسلامية إلى وقف اتفاقيات التطبيع وتجميد أشكال التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي مع إسرائيل، إضافة إلى عقد اجتماع عاجل لمنظمة التعاون الإسلامي وتشكيل جبهة إسلامية سياسية ودبلوماسية وقانونية دائمة لمواجهة ما تصفه بمخططات السيطرة على المسجد.
كما طالبت بتخصيص صندوق عاجل لدعم القدس والأقصى وتعزيز صمود المقدسيين، إلى جانب تكثيف الحضور الإعلامي والديني لقضية المسجد.
لكن معروف يرى أن المشكلة لا تكمن في غياب البيانات أو التحذيرات، وإنما في غياب ما يفرض على إسرائيل كلفة فعلية لأي تغيير جديد.
ويقول إن تصريحات بعض قادة اليمين تكشف أن ما يشجعهم على المضي قدما هو اعتقادهم بأن "ثمن التصعيد" في الأقصى لا يزال محدودا.
شهران قد يغيران المشهد
وهكذا، يقف المسجد الأقصى أمام مرحلة دقيقة: انتخابات (إسرائيلية) تقترب، ويمين متطرف يسعى إلى تثبيت حضوره، وجماعات "معبد" ترفع سقف مطالبها، وسلسلة أعياد يهودية تفتح المجال أمام مزيد من الاقتحامات والطقوس.
وفي المقابل، تتراجع المسافة بين الخطاب الانتخابي والممارسة على الأرض؛ فما كان قبل سنوات شعارا انتخابيا لدى بعض قادة اليمين، بات اليوم جزءا من إجراءات وسياسات تُفرض تدريجيا داخل المسجد ومحيطه.
ولذلك، فإن الخطر الذي يراه الفلسطينيون لا يكمن فقط في عدد المقتحمين خلال الأيام المقبلة، وإنما في تحول الاقتحام نفسه إلى أداة سياسية، وتحول الطقس إلى أمر واقع، وتحول الانتخابات إلى فرصة لتسريع تغيير هوية الأقصى ووضعه التاريخي والقانوني.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، قد يكون السؤال الأهم ليس: كم مستوطنا سيقتحم الأقصى؟
بل: إلى أي حد سيذهب اليمين (الإسرائيلي) في استخدام المسجد صندوقَ اقتراعٍ مفتوحا أمام جمهوره، وإلى أي حد تستطيع الأطراف العربية والإسلامية وقف تحويل الوعود الانتخابية إلى وقائع دائمة؟