كيف يمكن إنقاذ الأقصى في مواجهة مخاطر تغيير هويته

  • السبت 24, أكتوبر 2026 09:49 ص
  • كيف يمكن إنقاذ الأقصى في مواجهة مخاطر تغيير هويته
تنذر التطورات التي شهدها المسجد الأقصى منذ مطلع عام 2026 بمرحلة جديدة تتجاوز إجراءات التضييق والاقتحامات إلى محاولة تغيير طبيعة إدارة المسجد وهويته الدينية والتاريخية.
كيف يمكن إنقاذ الأقصى في مواجهة مخاطر تغيير هويته وفرض إدارة إسرائيلية عليه؟
موقع مدينة القدس
تنذر التطورات التي شهدها المسجد الأقصى منذ مطلع عام 2026 بمرحلة جديدة تتجاوز إجراءات التضييق والاقتحامات إلى محاولة تغيير طبيعة إدارة المسجد وهويته الدينية والتاريخية.
هذا ما حذرت منه ورقة بحثية صادرة عن مؤسسة القدس الدولية الشهر المنصرم تحت عنوان "واجب إنقاذ المسجد الأقصى أمام خطر فرض الإدارة الإسرائيلية عليه".
وتعرض الورقة قراءة سياسية وميدانية للتطورات المتعلقة بالأقصى، وتربط بين الإجراءات الإسرائيلية على الأرض، ومواقف الولايات المتحدة، وتراجع فاعلية التحرك الرسمي العربي والإسلامي، ومحدودية الحراك الشعبي الفلسطيني تحت وطأة الحرب والقيود الأمنية.
وتخلص إلى أن حماية المسجد الأقصى تتطلب الانتقال من الاكتفاء بالإدانة والتصريحات إلى تحرك منظم يجمع بين العمل الشعبي والسياسي والإعلامي والقانوني، ويحافظ على دور دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، ويعزز قدرة الفلسطينيين والعرب والمسلمين على التصدي لمحاولات فرض واقع جديد في المسجد.
إجراءات ميدانية تستهدف تغيير الواقع القائم في الأقصى
ترصد الورقة تصاعدًا في الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف تقليص دور الأوقاف الإسلامية الأردنية، وتقييد الوجود الفلسطيني في المسجد، وفرض ترتيبات جديدة تتعلق بإدارته واستخدام مرافقه.
وتشير إلى أن هذه الإجراءات شملت تقييد أعمال الصيانة والتنظيف والخدمات المقدمة للمصلين، ومنع إدخال بعض المستلزمات والأدوية والوجبات، إلى جانب إبعاد موظفين من الأوقاف وإلغاء تصاريح دخول القدس لعدد من العاملين فيها.
كما تتناول إغلاق مرافق داخل المسجد أو منع استخدامها، وتبيّن أنّ هذه الإجراءات لا تقتصر على جوانب إدارية وأمنية، بل تؤدي إلى إضعاف قدرة الأوقاف على أداء مسؤولياتها الدينية والإدارية.
وتلفت الورقة إلى أن إغلاق المسجد الأقصى لمدة 40 يومًا بذريعة الحرب على إيران، مثّل تطورًا بالغ الخطورة، إذ إنّ الإغلاق، إلى جانب القيود المفروضة على المصلين والموظفين، أسهم في تكريس واقع جديد في المسجد ومحيطه.
توسيع الاقتحامات ومحاولات فرض ترتيبات جديدة
تضع الورقة الاقتحامات التي شهدها المسجد الأقصى في سياق أوسع من محاولات تغيير الوضع القائم، مشيرة إلى مساعٍ لتوسيع أوقات الاقتحام، وطرح ترتيبات تسمح بها في أيام وأوقات إضافية.
وترى أن خطورة هذه التطورات تكمن في احتمال تحول الإجراءات التدريجية إلى تغييرات أكثر رسوخًا، تمس طبيعة الوجود الإسلامي في المسجد، وتفتح المجال أمام فرض ترتيبات جديدة تتعلق بأوقات العبادة وإدارة المرافق.
وتبرز الورقة اقتحام 23 يوليو/تموز 2026، الذي تزامن مع "ذكرى خراب المعبد"، باعتباره محطة مفصلية في تقييمها لمسار التصعيد. وتشير إلى أنّ ذلك يعكس مساعي الاحتلال إلى الانتقال من محاولة المحافظة على مكاسب متراكمة إلى السعي لفرض واقع جديد بالقوة.
كما تحذّر من أن إضعاف إدارة الأوقاف، بالتوازي مع تغيير ترتيبات الاقتحامات، قد يمهد لمحاولة فرض إدارة إسرائيلية فعلية أو موازية على المسجد، بما يهدد الوضع القائم الذي استقر على مدى عقود.
البعد الأمريكي في معادلة الصراع على الأقصى
تخصص الورقة قسمًا مهمًا لتناول الموقف الأمريكي، وترى أن السياسات الأمريكية المتعاقبة أسهمت في دعم الرؤية الإسرائيلية المتعلقة بالقدس والأماكن المقدسة.
وتستند إلى محطات سياسية سابقة، من بينها الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وما ورد في خطة السلام الأمريكية المعروفة باسم "صفقة القرن" بشأن إدارة الأماكن الدينية.
وتقول الورقة إنّ هذه السياسات لا يمكن فصلها عن الجدل الدائر بشأن مستقبل المسجد الأقصى، إذ ترى أن إغفال دور الأوقاف الإسلامية الأردنية، أو التعامل مع إدارة المسجد باعتبارها خاضعة للترتيبات الإسرائيلية، يفتح المجال أمام إضعاف الإشراف الإسلامي القائم.
وتشير كذلك إلى تطورات سياسية وتشريعية أمريكية في عام 2026، ترى أنها تعزز توجهات مرتبطة بإبراز الهوية اليهودية للمسجد، وتدعو إلى التعامل مع هذا المسار بوصفه جزءًا من البيئة السياسية التي تشجع على تسريع التغييرات في القدس.
ووفق الورقة، فإن الدعم الأمريكي يحدّ من الضغوط الدولية على دولة الاحتلال، ويزيد من صعوبة الاعتماد على المواقف الدبلوماسية التقليدية وحدها لوقف الإجراءات الميدانية.
تراجع الدور الرسمي الأردني والعربي والإسلامي
تقول الورقة إنّ دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن تمثل محورًا أساسيًا في إدارة المسجد الأقصى، ولذلك فإن تقليص صلاحياتها أو تعطيل وظائفها يثير مخاوف تتجاوز الجانب الإداري إلى مستقبل المرجعية الإسلامية للمسجد.
وتنتقد ما تصفه بمحدودية الاستجابة الرسمية الأردنية للتطورات، معتبرة أن المواقف السياسية والتصريحات الرافضة للإجراءات الإسرائيلية لم تقترن، بالقدر الكافي، بخطوات عملية تستعيد للأوقاف قدرتها على أداء وظائفها.
كما تتناول البيانات المشتركة الصادرة عن عدد من الدول العربية والإسلامية، وتقرّ بأهمية تأكيد المواقف السياسية الرافضة للسيادة الإسرائيلية على القدس ومقدساتها، لكنها ترى أن هذه البيانات لم تتحول إلى آلية ضغط فعالة توقف الإجراءات على الأرض.
وتربط الورقة محدودية التحرك الأردني، جزئيًا، بالاعتبارات الاقتصادية والسياسية التي تحكم علاقات الأردن بالولايات المتحدة ودولة الاحتلال، بما فيها ملفات التجارة والطاقة والمياه.
وفي هذا السياق، تدعو إلى تجاوز الاكتفاء بالمواقف المعلنة، والعمل على تعزيز دور الأوقاف، وتوسيع نطاق التحرك العربي والإسلامي، وربط المواقف السياسية بإجراءات عملية أكثر تأثيرًا.
الحراك الشعبي الفلسطيني رغم القيود
في مقابل تراجع الفاعلية الرسمية، ترصد الورقة تحركات شعبية فلسطينية للتعبير عن رفض إغلاق المسجد الأقصى ومحاولات تغيير واقعه.
وتشير إلى ثلاثة نماذج رئيسة من هذا الحراك خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026:
• الصلاة عند أبواب البلدة القديمة والمسجد الأقصى خلال فترة الإغلاق، في محاولة للحفاظ على الحضور الشعبي والديني في محيطه.
• الحضور الواسع للمصلين في المسجد يوم الجمعة 2026/5/15، في مواجهة محاولات فرض اقتحامات في ذلك اليوم.
• التحركات الشعبية التي رافقت التطورات الميدانية في تموز/يوليو 2026.
وترى الورقة أن هذه التحركات تكشف استمرار ارتباط الفلسطينيين بالمسجد الأقصى، رغم الظروف القاسية والقيود المفروضة على الحركة والتجمع.
لكنها تشير في الوقت ذاته، إلى أن الحراك لا يزال محدودًا، ولم يصل إلى مستوى التعبئة الشعبية الواسعة القادرة على إحداث تغيير ملموس في المعادلة القائمة. وتعزو ذلك إلى تداعيات حرب الإبادة، والخوف من الاعتقال والعقوبات، والضغوط الأمنية، وضعف الظروف التنظيمية الداعمة للتحرك الشعبي.
وتشدد الورقة على أن استمرار هذا الحضور الشعبي يمثل عنصرًا مهمًا في حماية المسجد، لكنها ترى أن تعزيزه يحتاج إلى جهود توعوية وتنظيمية، وإلى توفير ظروف تسمح باستدامة التحرك المدني والسلمي.
خمسة مسارات لإنقاذ المسجد الأقصى
تقدم الورقة خريطة طريق للتحرك، تقوم على خمسة مسارات مترابطة، ترى أنها ضرورية لمواجهة مخاطر فرض إدارة إسرائيلية على المسجد وتغيير هويته.
• استنهاض الحراك الشعبي الفلسطيني: حيث تدعو الورقة إلى رفع مستوى الوعي بالمخاطر التي تهدد المسجد الأقصى، وتعزيز حضوره في الوعي العام الفلسطيني، والاستفادة من التجارب السابقة في الدفاع عنه.
كما تشدد على أهمية دعم المبادرات الشعبية المنظمة، وتعزيز الروابط المجتمعية في القدس والقرى والأحياء الفلسطينية، بما يسهم في حماية المجتمع المحلي وتقوية قدرته على مواجهة الضغوط.
• توسيع التحرك الشعبي العربي والإسلامي: ترى الورقة أن الدفاع عن المسجد الأقصى لا ينبغي أن يظل مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل يجب أن يتحول إلى قضية حاضرة في المجتمعات العربية والإسلامية. وتقترح العمل مع القوى الشعبية والمؤسسات المدنية والنقابات والهيئات ذات الصلة، لتنظيم تحركات استباقية ومتواصلة، وتوظيف الأدوات الإعلامية والقانونية والسياسية والاقتصادية في الضغط لوقف الإجراءات الإسرائيلية.
وتؤكد الورقة أهمية أن يكون هذا التحرك منظمًا ومستمرًا، بدل اقتصاره على ردود الفعل الموسمية المرتبطة بالأحداث الطارئة.
• تعزيز الدور الأردني واستعادة فاعلية الأوقاف: تدعو الورقة إلى الضغط السياسي والشعبي من أجل تمكين دائرة الأوقاف الإسلامية من أداء وظائفها داخل المسجد الأقصى، ومواجهة القيود التي تعطل أعمالها الإدارية والخدمية. كما تدعو إلى تعزيز البنية المؤسسية للأوقاف، وإسنادها بحضور شعبي فلسطيني ومقدسي، حتى لا يؤدي استمرار الإجراءات الإسرائيلية إلى إفراغ دورها من مضمونه العملي.
وتشير الورقة إلى أن الحفاظ على الدور الأردني يظل مهمًا، لكنها تحذر من التعويل عليه وحده في ظل محدودية الاستجابة الرسمية التي ترصدها.
• بناء موقف عربي وإسلامي رسمي أكثر فاعلية: توصي الورقة بتوسيع الاتصالات السياسية مع الدول العربية والإسلامية المؤثرة، والعمل على تحويل المواقف الرافضة للإجراءات الإسرائيلية إلى تحركات عملية.
وتشمل الأدوات المقترحة تكثيف الضغط الدبلوماسي، وتنسيق المواقف الرسمية، وإبراز المسؤولية القانونية والسياسية عن حماية الأماكن المقدسة، وتعزيز قدرة الدول المعنية على التأثير في مسار الأحداث.
وترى الورقة أن التنسيق المشترك ينبغي أن يتجاوز إصدار البيانات إلى بناء موقف مستمر يربط بين التصريحات والإجراءات القابلة للقياس.
• الاستعداد لبديل مؤسسي يحافظ على الإدارة الإسلامية: تطرح الورقة مسارًا احتياطيًا يقوم على الاستعداد لتشكيل مرجعية تحظى بإسناد شعبي، في حال تعرض دور الأوقاف الأردنية للإلغاء أو التعطيل الكامل.
وتستحضر الورقة تجربتي المجلس الإسلامي الأعلى والهيئة الإسلامية العليا بوصفهما نموذجين تاريخيين للاستفادة منهما في الحفاظ على الهوية الإسلامية للمسجد ومواصلة إدارة شؤونه.
ويأتي هذا المقترح ضمن الاستعداد لاحتمال حدوث فراغ مؤسسي، وليس بديلًا عن أهمية استمرار دور الأوقاف الإسلامية الأردنية.
ما الذي يجعل المرحلة الحالية مختلفة؟
تربط الورقة بين التطورات الراهنة ومسار تاريخي طويل من التوتر حول المسجد الأقصى، وتحدد أربعة اتجاهات رئيسة ترى أنها تؤثر في مستقبل المسجد:
• تصاعد حضور فكرة إقامة "المعبد" في خطاب تيارات من اليمين الإسرائيلي، وتحول تغيير واقع الأقصى إلى قضية مركزية لديها.
• استمرار الانحياز الأمريكي للمواقف الإسرائيلية المتعلقة بالقدس والمسجد الأقصى.
• محدودية قدرة المواقف العربية والإسلامية الرسمية على وقف التغييرات الميدانية.
• بقاء الحراك الشعبي الفلسطيني عاملًا مؤثرًا محتملًا، لكنه يواجه ضغوطًا كبيرة تحد من قدرته على التحرك.
وترى الورقة أن حرب الإبادة وما خلّفته من آثار إنسانية وأمنية واجتماعية أضعفت قدرة المجتمع الفلسطيني على تنظيم تحركات واسعة، وهو ما يجعل إعادة بناء القدرة الشعبية والمؤسسية جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية لحماية المسجد
ومن هنا، لا تحصر التحدي في منع إجراء ميداني بعينه، بل تراه مرتبطًا بمستقبل الإدارة والهوية والمرجعية الدينية للمسجد الأقصى.
من التحذير إلى التحرك العملي
تقدم الورقة قراءة تحذيرية لمستقبل المسجد الأقصى، وتدعو إلى التعامل مع التطورات المحيطة به باعتبارها مسارًا متراكمًا يتطلب استجابة تتجاوز ردود الفعل المؤقتة.
وتتمثل الفكرة المحورية التي تطرحها في أن حماية المسجد لا تتحقق عبر البيانات السياسية وحدها، ولا عبر الاعتماد على جهة رسمية واحدة، بل تستلزم تكامل الأدوار الفلسطينية والأردنية والعربية والإسلامية، وتعزيز الحضور الشعبي، ودعم المرجعية الإسلامية المسؤولة عن إدارة المسجد.
كما تبرز الورقة أهمية العمل القانوني والإعلامي والدبلوماسي، وبناء أدوات ضغط مستمرة، وتطوير خطط مؤسسية للتعامل مع احتمالات تقييد دور الأوقاف أو تعطيله.
وفي المحصّلة، تضع الورقة حماية المسجد الأقصى أمام مسؤولية جماعية تتطلب تحويل الاهتمام السياسي والديني إلى برامج عمل واضحة، وتكثيف الجهود الرامية إلى صون الهوية التاريخية والدينية للمسجد، والحفاظ على إدارته الإسلامية.