من الاقتحام إلى فرض واقع جديد: كيف تطوّرت فكرة الوجود اليهودي

  • الأربعاء 09, سبتمبر 2026 12:01 م
  • من الاقتحام إلى فرض واقع جديد: كيف تطوّرت فكرة الوجود اليهودي
تكشف المعطيات التي وثقها تقرير عين على الأقصى العشرون عن تحوّل نوعي في مسار المشروع الإسرائيلي الرامي إلى تعزيز الوجود اليهودي في المسجد. فلم تعد المساعي محصورة في اقتحامات تنفذها "منظمات المعبد" أو أفراد من المستوطنين، بل أخذت شكل منظومة متكاملة تتداخل فيها المستويات السياسية والأمنية والقانونية والدينية، بما يتيح الانتقال تدريجيًا من فرض الاقتحامات كأمر واقع إلى محاولة تكريس حضور يهودي منظم وطقوس دينية دائمة داخل المسجد.
من الاقتحام إلى فرض واقع جديد: كيف تطوّرت فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى في النصف الأول من 2026؟
موقع مدينة القدس
تكشف المعطيات التي وثقها تقرير عين على الأقصى العشرون عن تحوّل نوعي في مسار المشروع الإسرائيلي الرامي إلى تعزيز الوجود اليهودي في المسجد. فلم تعد المساعي محصورة في اقتحامات تنفذها "منظمات المعبد" أو أفراد من المستوطنين، بل أخذت شكل منظومة متكاملة تتداخل فيها المستويات السياسية والأمنية والقانونية والدينية، بما يتيح الانتقال تدريجيًا من فرض الاقتحامات كأمر واقع إلى محاولة تكريس حضور يهودي منظم وطقوس دينية دائمة داخل المسجد.
ويبرز في هذه المرحلة توظيف الظروف الأمنية والحرب والتصعيد الإقليمي لتسريع إجراءات السيطرة والتضييق على الحضور الإسلامي، بالتوازي مع توسيع المجال أمام المستوطنين والمتطرفين اليهود. وفي الوقت الذي استمر فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في إعلان التزامه بـ "الوضع القائم"، أظهرت الإجراءات والمواقف الرسمية أن هذا المفهوم بات يُستخدم غطاءً سياسيًا لواقع جديد يتغير تدريجيًا على الأرض.
المستوى السياسي.. توفير الغطاء الرسمي لتغيير الواقع
شكّل المستوى السياسي خلال هذه الفترة عاملاً أساسيًا في دفع التحولات داخل المسجد الأقصى، ولا سيما مع تنامي نفوذ اليمين المتطرف والصهيونية الدينية في مؤسسات صنع القرار.
وكان من أبرز المؤشرات على ذلك، وفق التقرير، موقف نتنياهو في جلسة الحكومة في 2026/1/4، حين وقف إلى جانب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في مواجهة موقف المستشارة القضائية للحكومة، التي رأت أن بن غفير يُجري تغييرات جوهرية في "الوضع القائم" ويتدخل في عمل الشرطة داخل الأقصى. وبدل تقييد صلاحيات الوزير، رفض نتنياهو إخضاع تدخله في الملف لموافقة رئيس الحكومة، مانحًا إياه مساحة أوسع للتصرف.
وقد انعكس ذلك سريعًا على الميدان. ففي 2/23، اقتحم بن غفير المسجد ووجّه الشرطة إلى استخدام "اليد الحديدية" في التعامل مع المصلين، ثم تفاخر لاحقًا بمنع الفلسطينيين من الوصول إلى الأقصى واضطرارهم إلى الصلاة في شوارع القدس.
وفي 4/6 أصدر بن غفير توجيهًا بفتح أبواب المسجد أمام المصلين والمستوطنين في مجموعات متساوية العدد، في خطوة تحمل دلالة تتجاوز تنظيم الدخول، إذ توحي بمحاولة إلغاء أي أولوية تاريخية للحضور الإسلامي داخل المسجد، وتقديمه بوصفه مكانًا مقدسًا مشتركًا بين المسلمين واليهود. وتوّج بن غفير هذا المسار في 6/16 بإعلانه التعهد ببناء كنيس يهودي داخل المسجد الأقصى.
لكن الدفع نحو تغيير واقع الأقصى ليس محصورًا في بن غفير وحزبه؛ فقد شارك 22 سياسيًا إسرائيليًا، بينهم 9 وزراء و13 عضو "كنيست"، في توقيع عريضة في 5/11 تطالب بالسماح للمستوطنين باقتحام الأقصى يوم الجمعة والسماح لهم بأداء الطقوس اليهودية. وكان لافتًا أن 19 من الموقعين ينتمون إلى حزب "الليكود"، بما يعكس اتساع قاعدة التأييد السياسي لهذه المطالب داخل الحزب الذي يقوده نتنياهو.
وفي 7/16، شارك أعضاء "كنيست" في مؤتمر نظمته "إدارة جبل المعبد" تحت عنوان "عقد من التحول الإيجابي في جبل المعبد"، في مؤشر إضافي على انتقال فكرة إعادة تعريف "الوضع القائم" من الهامش إلى مساحة النقاش السياسي العلني.
المستوى الأمني.. التضييق على المسلمين وتوسيع المجال للمستوطنين
مثّل الجهاز الأمني الأداة الأبرز لترجمة التوجهات السياسية والدينية إلى إجراءات ميدانية. ويمكن تلخيص هذا المسار، وفق تقرير عين على الأقصى، في اتجاهين متلازمين: تقليص الحضور الإسلامي في المسجد، مقابل تسهيل حضور المستوطنين وتوسيع نطاق طقوسهم.
ففي كانون الثاني/يناير، أُعيد تشكيل قيادة شرطة القدس، وتولى أفشالوم بيليد منصب قائد الشرطة خلفًا لأمير أرزاني، الذي أشارت تقارير إلى رفضه مطالب بإجراء تغييرات جذرية في الإجراءات المتعلقة بالأقصى.
وترافق ذلك مع خطوات هدفت إلى إضعاف قدرة الأوقاف الإسلامية على إدارة المسجد؛ إذ انخفض عدد حراس الأقصى المناوبين صباحًا خلال حزيران/يونيو إلى نحو 20 حارسًا، فيما أبعدت سلطات الاحتلال أكثر من 37 حارسًا وموظفًا، وألغت تصاريح دخول 30 موظفًا إداريًا.
وفي المقابل، جرى توسيع مساحة الحركة أمام المستوطنين. فقد زادت مدة الاقتحامات الصباحية ساعة كاملة، لتصبح من 6:30 صباحًا حتى 11:30 قبل الظهر، كما سُمح بإدخال أوراق ونصوص دينية يهودية إلى المسجد بعدما كانت محظورة، ونُصبت خيمة للمقتحمين في الساحات الشرقية في "ذكرى خراب المعبد".
كما أطلقت شرطة الاحتلال في حزيران/يونيو حملة لتجنيد مستوطنين متدينين للعمل ضمن "وحدة جبل المعبد" الشرطية، في خطوة تعكس تداخلاً متزايدًا بين الجماعات الدينية المتطرفة والمؤسسة الأمنية.
وكان شهر رمضان أحد أبرز ميادين التضييق، حيث فرض الاحتلال قيودًا واسعة على وصول الفلسطينيين إلى المسجد، وصلت إلى منع من هم دون سن الثمانين في إحدى الإجراءات، ما حرم آلاف المصلين من الوصول إلى الأقصى.
أما التطور الأكثر دلالة، وفق التقرير، فتمثل في إغلاق المسجد خلال الحرب على إيران. فقد أغلقت الشرطة أبواب الأقصى في 2026/2/28 لمدة 40 يومًا، ومنعت المصلين وموظفين في الأوقاف من الوصول إليه، لكنها سمحت لبن غفير باقتحامه في 4/6، بما يدل على أنّ سلطات الاحتلال استخدمت الإجراءات الأمنية لإعادة ترتيب الحضور داخل المسجد وفق تصوراتها.
المستوى القانوني.. محاولة تحويل السيطرة إلى مرجعية تشريعية
يبين التقرير أنّ عام 2026 شهد تحركًا متزايدًا على المستوى القانوني بهدف توفير أطر تشريعية وقضائية للتعامل الإسرائيلي مع المسجد الأقصى.
ففي شباط/فبراير أقر "الكنيست" بالقراءة التمهيدية مشروع تعديل "قانون الأماكن المقدسة"، بما قد يفتح الباب أمام تكريس مرجعية مؤسسات الاحتلال ووزاراته وحاخاماته في إدارة شؤون الأماكن المقدسة، بما فيها الأقصى.
وفي تموز/يوليو، أقر "الكنيست" بالقراءة التمهيدية ما يسمى "قانون المؤذن"، الذي يصف الأذان بأنه "ضوضاء غير معقولة"، ويقترح إخضاع مكبرات الصوت في المساجد للترخيص والرقابة.
وعلى الرغم من أن المشروع يستهدف مساجد الضفة الغربية أساسًا، فإن عدم استثناء المسجد الأقصى منه يفتح المجال أمام احتمال تطبيقه عليه مستقبلًا.
وفي موازاة ذلك، استخدمت "منظمات المعبد" القضاء الإسرائيلي للضغط من أجل توسيع الاقتحامات. فقد تقدمت في نيسان/أبريل بالتماس للمحكمة العليا لإلغاء قرار منع الاقتحامات الذي فُرض مع اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير. وفي 8 نيسان/أبريل رفضت المحكمة طلبًا عاجلًا للسماح بالاقتحامات خلال "عيد الفصح".
ووفق التقرير، تحمل هذه المسارات القضائية دلالة مهمة؛ حيث تعاملت المحكمة مع شرطة الاحتلال باعتبارها صاحبة سلطة تقريرية على الدخول إلى المسجد، وهو ما يكرّس عمليًا تدخل مؤسسات الاحتلال في إدارة شؤون الأقصى.
المستوى الديني.. الانتقال من "الزيارة" إلى العبادة المنظمة
يشكل النشاط الديني لـ "منظمات المعبد" أحد أخطر جوانب التحول الجاري؛ إذ لم تعد المطالب تقتصر على السماح لليهود بزيارة المسجد، وإنما تتجه نحو تحويل الوجود اليهودي إلى حضور ديني دائم ومنظم يتضمن أداء الطقوس.
ومن التطورات التي يوثقها التقرير مطالبة "منظمات المعبد" نتنياهو، في شباط/فبراير، بفتح المسجد أمام اقتحامات المستوطنين خلال العشر الأواخر من رمضان وفي الفترة المسائية، ومنع اعتكاف المسلمين ليلًا، والسماح بإدخال أدوات دينية إلى المسجد.
وفي سياق تصاعد الخطاب المتعلق ببناء كنيس داخل الأقصى، يوثق التقرير تصريحًا للحاخام شموئيل إلياهو في حزيران/يونيو، قال فيه إنّ إقامة كنيس يهودي في المسجد أصبحت "واقعية أكثر من أي وقت مضى"، متوقعًا إقامته في وقت قريب.
كما استُخدمت الحرب على إيران مناسبة لإطلاق دعوات من حاخامات ومستوطنين لهدم المسجد وبناء "المعبد" مكانه.
"البقرة الحمراء".. توظيف الرمز الديني في خدمة المشروع
برزت خلال هذه الفترة أيضًا قضية "البقرة الحمراء"، المرتبطة في الموروث الديني اليهودي بطقوس التطهير.
ففي حزيران/يونيو، أعلن "معهد المعبد" عن ولادة بقرة قال إنها تطابق المواصفات التوراتية، في إحدى مزارع الأبقار في الجليل.
واكتسب الإعلان أهمية خاصة بالنسبة إلى الجماعات المتطرفة التي تتعامل مع ولادة البقرة بوصفها علامة دينية تمهد لتحقيق مشروع "المعبد".
من تغيير السلوك إلى إعادة تعريف المكان
تظهر مجمل التطورات بين كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو 2026 أن المشروع الإسرائيلي تجاه المسجد الأقصى يشهد انتقالًا من مرحلة الاقتحام الفردي إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة للوجود اليهودي داخله.
فالمستوى السياسي يوفر الغطاء والشرعية، والمستوى الأمني يفرض القيود على المسلمين ويفتح المجال أمام المستوطنين، بينما يسعى المستوى القانوني إلى تحويل هذه الإجراءات إلى قواعد وتشريعات، وتعمل المؤسسات والجماعات الدينية على إنتاج خطاب وطقوس ومبررات دينية تجعل الوجود اليهودي في المسجد يبدو أمرًا طبيعيًا ومتدرجًا.
وبذلك، فإن الخطر الأبرز في تطورات 2026 لا يكمن في حادثة منفردة، بل في تراكم إجراءات متزامنة تهدف إلى إعادة تعريف "الوضع القائم" ذاته: من مكان إسلامي تديره الأوقاف الإسلامية إلى فضاء يجري التعامل معه تدريجيًا بوصفه مكانًا دينيًا مشتركًا، مع توسيع نطاق الحضور والعبادة اليهودية داخله.
ومن هذه الزاوية، تبدو الدعوات إلى بناء كنيس، والسماح بالطقوس اليهودية، وإدخال الأدوات الدينية، وتقليص الحضور الإسلامي، وإعادة تشكيل الشرطة، والتحرك التشريعي والقضائي، حلقات مترابطة في مسار واحد؛ هو تطبيع الوجود اليهودي في المسجد الأقصى تمهيدًا لفرض واقع جديد عليه، وصولًا إلى تكريس التقسيم الزماني والمكاني بوصفه أمرًا واقعًا.