المدرسة الدستورية.. مؤسسة مقدسية

  • الأحد 31, أغسطس 2025 09:24 ص
  • المدرسة الدستورية.. مؤسسة مقدسية
أُسست المدرسة الدستورية في القدس عام 1909، وهي أول تجربة تعليمية وطنية غير تبشيرية، أسسها نخبة من المثقفين لتقديم تربية حديثة تقوم على التهذيب والمساواة بين الأديان، والتعليم بلا عقاب أو علامات.
المدرسة الدستورية.. مؤسسة مقدسية أُغلقت بعد اعتقال العثمانيين مديرها
الجزيرة نت
أُسست المدرسة الدستورية في القدس عام 1909، وهي أول تجربة تعليمية وطنية غير تبشيرية، أسسها نخبة من المثقفين لتقديم تربية حديثة تقوم على التهذيب والمساواة بين الأديان، والتعليم بلا عقاب أو علامات.
التأسيس
أُسست المدرسة الدستورية في القدس في الرابع من يوليو/تموز 1909، وهي "جمعية تهذيبية" تهدف إلى العناية بالتربية بما يتاح لها من الوسائل، استجابة لحاجة المجتمع المحلي إلى تعليم يتوافق مع بيئته الوطنية والدينية، ويواكب في الوقت ذاته النهضة التربوية العالمية.
المؤسسون
أسس المدرسة عدد من الأعيان والمثقفين الفلسطينيين، وهم علي جار الله، وخليل السكاكيني، وجميل الخالدي، وأفتيم مشبك، وكانوا من أعضاء الجمعية التهذيبية التي تبنّت المشروع التربوي الوطني.
الموقع
بدأت المدرسة عملها في غرفة واسعة قرب باب الجديد، الذي يقع في الجهة الغربية من السور الشمالي للقدس، استأجرها خليل السكاكيني من الشيخ عمر الدنف.
ثم نُقل مقرها لاحقا إلى حي المصرارة بالقرب من باب العامود، في أحد العقارات التي كان يملكها الحاج إسماعيل النجار.
التسمية
جاءت تسمية المدرسة بــ"الدستورية" تيمّنا بالدستور العثماني الصادر عام 1908، وعكست رغبة المؤسسين في تربية الطلبة على مبادئ الدستور وروح الحرية والانتماء الوطني.
الأهداف
أعلنت المدرسة منذ تأسيسها أن غرضها "العناية بالتهذيب والتربية الأدبية والبدنية، وتخريج طلبة أشداء يحبون الحياة ويقبلون على العمل بمعرفة ونشاط وسرور".
سعت إلى تربية التلاميذ على مبادئ الإخاء والوطنية العثمانية والاستقلال والشجاعة والرجولة، و"تبني أساليب التربية الحديثة التي تُنمي النفس، بدلا من إذلالها، وتعزز الغرائز الصالحة عوضا عن قمعها".
لم تكن المدرسة تبشيرية، بل وطنية عمومية تقبل الطلبة من جميع المذاهب دون المساس بعقائدهم، حيث يُعلَّم كل تلميذ أصول مذهبه، دون دعوة دينية أو إكراه.
وتعتمد المدرسة مبدأ التربية لا العقاب، فلا تستعمل القصاصات ولا العلامات، بل تشجع على النمو الذاتي والاحترام المتبادل، بعيدا عن الجوائز الشكلية أو العقوبات البدنية.
المواد التدريسية
درّست المؤسسة اللغة العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية، إضافة إلى الرياضيات والعلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ والأصول التجارية والمدنية والصحة والموسيقى والتصوير والمبادئ الدينية.
كما أولت اهتماما خاصا بالتربية البدنية من خلال الألعاب الرياضية والتمرينات العسكرية التي يشرف عليها ضابط من ضباط الجيش، وذلك لبث روح الشجاعة وتقوية الأبدان.
وحرصت المدرسة على أن تجاري المدارس الراقية في أوروبا وأميركا في نظامها وأساليبها.
الفئة المستهدفة وشروط الانتساب
كانت المدرسة مفتوحة للتلاميذ من مختلف الأعمار، وابتكرت نظاما تعليميا غير مسبوق في فلسطين آنذاك، فأنشأت فرعا خاصا للأطفال من سن الرابعة إلى السابعة، أُطلق عليه "بستان الأطفال"، وكانت تدرّسهم معلمة اختصاصية باستخدام الأشغال اليدوية والأغاني والتمارين والألعاب التربوية.
وفي عام 1911، أُسس فرع داخلي استوفى كل الشروط الصحية ووسائل الراحة والتهذيب.
مشهد عام من المدرسة التنكزية من الخارج (إدارة أوقاف القدس)
وكان من شروط الانتساب إلى الفرع الداخلي:
• ألا يقل عمر التلميذ عن 8 سنوات.
• تقديم شهادة طبية تُثبت السلامة الصحية للمترشح.
• إحضار لوازم شخصية محددة تشمل الثياب والفراش.
أما الرسوم، فكانت كما يلي:
• الخارجي: 50 فرنكا في بستان الأطفال، 60 فرنكا في الصف الأول، و100 فرنك في بقية الصفوف.
• الداخلي: 16 ليرة فرنسية، تُدفع على 3 أقساط، مع اشتراط عدم قبول الطالب إذا تأخر عن الدفع.
حياة للجاهلين
أشاد الأديب محمد إسعاف النشاشيبي -في مقال نُشر بجريدة "فلسطين" في الثاني من أغسطس/آب 1911- بفضل هذا المعهد العلمي، بعد مشاهدته مستوى طلابه في احتفال ختام عامه الثاني.
ووصف النشاشيبي المدرسة بأنها "حياة لإحياء الأموات من الجاهلين"، وأكد أن طلابها يُضاهون نظراءهم في مدارس الغرب في الهندام والآداب والتهذيب.
رغم عدم وجود توثيق دقيق لمدة عمل المدرسة، فإن المرجّح أنها توقفت مع نهاية الحكم العثماني وبداية الاحتلال البريطاني للقدس، وبقيت المدرسة الدستورية علامة فارقة في تاريخ التعليم العربي في فلسطين، ونموذجا مبكرا للتعليم الوطني الحديث.
جريدة الدستور
في عام 1910 بدأت المدرسة بإصدار جريدة خاصة بها حملت اسم "الدستور"، وصدر العدد الأول منها في السادس من ديسمبر/كانون الأول 1910. وكانت الجريدة تُكتب بخط اليد، وفي عام 1913 صدر عدد وحيد مطبوع.
كان جميل الخالدي المدير المسؤول وصاحب الامتياز، بينما تولى الأستاذ يوسف العيسى رئاسة التحرير. واتخذت الجريدة شعارا لها عبارة "قول الحق".
وقد كانت صحيفة أدبية إخبارية فكاهية تصدر كل أسبوع، وتُكتب بأقلام طلاب الصف الخامس في المدرسة.
وقد جاء في مقدمة العدد الأول "لما رأى معلمو المدرسة الدستورية أن جميع الجرائد والمجلات على اختلاف مشاربها لا تفيد إلا الآباء دون الأبناء، الذين هم رجال المستقبل وبهم تعز الدولة ويرتفع شأنها، فلذلك أشار علينا حضرة أستاذنا الفاضل خليل أفندي السكاكيني بأن نؤلف جريدة تكون لمنفعتنا وتثقيف عقولنا ونمو مداركنا وتمريننا من الآن على كتابة الجرائد، حتى تكون لغة الجرائد العالية مفهومة عندنا".
وتضيف المقدمة أن تلك الجريدة كانت "تمرينا من الآن على معرفة خدمة الوطن المحبوب، لأنه كما لا يخفى أن النبت الجديد هو عماد دولة المستقبل، ومتى صلح المبدأ أصلحت الغاية كل جهة".
وعن تسمية الجريدة تقول مقدمة العدد الأول "اتفقنا أن ندعوها باسم الدستور، لأن هذا الاسم هو الذي حلنا من قيود الاستعباد والاستبداد، وأطلق أقلاما لتكتب الجرائد والمجلات التي هي أكبر داع لمنفعة الأمة".
إغلاق المدرسة
استمرت المدرسة في عملها حتى عام 1917، حين قرر السكاكيني إغلاقها، مبررا ذلك بعدم جدوى الاستمرار في إدارتها، نظرا لاعتماده الكامل على نفسه دون تلقي أي دعم من جهة رسمية أو خاصة، مما حال دون قدرته على منافسة المدارس الأجنبية التي كانت تحظى بدعم خارجي.
وأشار أيضا إلى أن المبادئ التربوية والتعليمية التي اعتمدها في مدرسته كانت غريبة على الناس، ولم يكن يتوقع منهم أن يدركوا قيمتها أو يقدروها.
ومع ذلك، فإن السبب المباشر لإغلاق المدرسة كان اعتقال السلطات العثمانية للسكاكيني، إذ سُجن في الجامع المعلّق بباب الجابية في دمشق 13 شهرا، ولم يجد من يتولى الإشراف على المدرسة في فترة غيابه.
ومع بداية العام الدراسي 1919، قرر السكاكيني عدم إعادة فتح المدرسة، مبررا قراره بأن الحاجة إليها قد انتفت، بعدما بدأت المدارس الحكومية تُولي اهتماما كبيرا بتعليم اللغات الأجنبية دون المساس بحرية المعتقد، وهو الهدف الذي كانت تسعى إليه المدرسة الدستورية منذ تأسيسها.