إغلاق نادي "أبناء القدس" يضيّق المساحات المجتمعية

  • السبت 07, نوفمبر 2026 08:23 ص
  • إغلاق نادي "أبناء القدس" يضيّق المساحات المجتمعية
حرم إغلاق نادي "أبناء القدس" في حارة السعدية بالبلدة القديمة، المقدسيين من مساحة للرياضة واللقاء الاجتماعي، في خطوة وصفها باحثان بأنها امتداد لاستهداف المؤسسات التي تساعد سكان المدينة على مواجهة ضغوط الاحتلال، وتحافظ على ارتباط الشباب بمجتمعهم وهويتهم الوطنية.
إغلاق نادي "أبناء القدس" يضيّق المساحات المجتمعية في البلدة القديمة
القدس - قدس برس
حرم إغلاق نادي "أبناء القدس" في حارة السعدية بالبلدة القديمة، المقدسيين من مساحة للرياضة واللقاء الاجتماعي، في خطوة وصفها باحثان بأنها امتداد لاستهداف المؤسسات التي تساعد سكان المدينة على مواجهة ضغوط الاحتلال، وتحافظ على ارتباط الشباب بمجتمعهم وهويتهم الوطنية.
وأغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الخميس الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، مقر النادي بقرار صادر عن وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير. وكان القرار قد صدر في الرابع من الشهر نفسه، وقضى بمنع جميع أنشطة النادي لمدة ستة أشهر.
وبحسب محافظة القدس، التابعة للسلطة الفلسطينية، اقتحمت شرطة الاحتلال محيط النادي وأغلقت أبوابه بقضبان حديدية، لمنع إعادة فتحه، بذريعة ممارسة أنشطة مرتبطة بجهات فلسطينية رسمية.
ويأتي ذلك في إطار القيود الإسرائيلية المفروضة على الأنشطة والمؤسسات الفلسطينية في المدينة، استنادًا إلى مزاعم تتعلق بممارسة السلطة الفلسطينية أنشطة داخل القدس.
وقال أستاذ دراسات بيت المقدس الدكتور عبد الله معروف، لـ"قدس برس"، إن نادي أبناء القدس من الأندية المعروفة اجتماعيًا في المدينة، ويلجأ إليه المقدسيون لتخفيف الضغوط التي تفرضها عليهم إجراءات الاحتلال، ما يجعل إغلاقه مساسًا بأحد المتنفسات المتاحة لهم لممارسة حياتهم اليومية.
ورفض معروف تبرير منع نشاط النادي بالقول إنه نشاط تقوم به السلطة الفلسطينية، ووصف هذه الذريعة بأنها "حجة فارغة"، معتبرًا أن قرار بن غفير يندرج في سياق الضغط المتصاعد على المقدسيين وحرمانهم من المساحات التي تخفف عنهم أعباء العيش تحت الاحتلال.
وأوضح أن أثر القرار يتجاوز توقف الأنشطة الرياضية إلى زيادة القيود على الحياة الاجتماعية نفسها؛ إذ يضيّق قدرة السكان على اللقاء وممارسة أنشطة اعتيادية، في مدينة تخضع تفاصيل حياتهم فيها أصلًا لقيود الاحتلال.
من جهته، قال الباحث في مؤسسة القدس الدولية علي إبراهيم، لـ"قدس برس"، إن القرار يمثل تطبيقًا عمليًا لاستراتيجية "هندسة الفراغ المجتمعي"، التي تهدف إلى تفكيك البنى المجتمعية الفلسطينية في القدس عبر استهداف المؤسسات التي تحتضن السكان وتدعم قدرتهم على البقاء.
ورأى إبراهيم أن استهداف نادي أبناء القدس يكشف إدراك الاحتلال أهمية الأندية والجمعيات الأهلية في تثبيت الوجود الفلسطيني، بما تقدمه من أنشطة وخدمات تعزز العلاقات بين المقدسيين، وتوفر لهم بدائل عن الاعتماد على مؤسسات الاحتلال.
وقال إن القرار يأتي ضمن سلسلة ممتدة من الإغلاقات، مشيرًا إلى أن الاحتلال أغلق منذ عام 1967 عشرات المؤسسات المعنية بالشؤون الثقافية والاجتماعية والخيرية والحياتية. واعتبر أن هذه السياسة تستهدف تقويض الجهود التي تخفف وطأة الهيمنة الإسرائيلية، وتحدّ من ذوبان المجتمع المقدسي في مؤسسات الاحتلال.
وأوضح إبراهيم أن الاحتلال يسعى إلى تجريم العمل المؤسسي الفلسطيني، من خلال ربطه بتهم الإرهاب أو تصويره باعتباره تهديدًا أمنيًا، لإقصاء الجهات القادرة على دعم المقدسيين وتعزيز استقلالهم المجتمعي. وطرح ذلك بوصفه نمطًا عامًا في التعامل مع المؤسسات الأهلية، ووسيلة لإضعاف قدرتها على الاستمرار.
وحدد إبراهيم غايتين لهذه السياسة؛ تتمثل الأولى في تحييد المؤسسات الداعمة لسكان القدس وحرمانهم من المساندة التي تعرقل سياسات التهجير والمصادرة، فيما تتعلق الثانية بإضعاف الانتماء الوطني والتأثير في التعليم وتنشئة الأجيال، عبر تقليص دور المؤسسات الفلسطينية في تشكيل وعي الأطفال والشباب.
واستحضر إبراهيم إغلاق جمعية برج اللقلق المجتمعي بوصفه نموذجًا آخر لاستهداف البنية الأهلية في البلدة القديمة. ففي السابع عشر من شباط/فبراير الماضي، أغلقت قوات الاحتلال مقر الجمعية لمدة ستة أشهر، بعد اقتحامه ولحام أبوابه ومنع الدخول إليه، بقرار من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
واستند قرار الإغلاق، وفق ما أعلنته الجمعية ومحافظة القدس حينها، إلى قانون يحظر أنشطة السلطة الفلسطينية في المدينة، بدعوى ممارسة نشاط تابع لها أو برعايتها داخل مقر الجمعية. في المقابل، أكدت إدارة الجمعية أنها مؤسسة اجتماعية مسجلة قانونيًا في القدس، وتمارس أنشطتها التعليمية والثقافية والرياضية لخدمة الأطفال والشباب والعائلات المقدسية.
ورأى إبراهيم أن تعطيل هذه المؤسسات يفتح المجال أمام مؤسسات اجتماعية إسرائيلية للوصول إلى الفئات المعوزة وبناء حضور بديل داخل المجتمع المقدسي. ومن ثم، فإن الفراغ الناجم عن الإغلاق، بحسب قراءته، يمس الخدمات المتاحة للسكان وقدرتهم على تلبيتها من خلال مؤسساتهم الوطنية.
وحذّر من أن إقصاء الجمعيات الفلسطينية يضاعف حاجة الأهالي إلى جهات توفر المساعدة والرعاية، في الوقت الذي تُحاصر فيه الجهات المحلية القادرة على أداء هذا الدور. ولهذا ربط بين حماية العمل الأهلي والحفاظ على استقلال المجتمع المقدسي وتماسكه.
وفي السياق ذاته، حذّر معروف من التداعيات السياسية والاجتماعية لتراكم هذه الضغوط، ورأى أن إغلاق الأندية ومنع النشاط المجتمعي قد يقودان المقدسيين إلى حالة من الانفجار الشعبي، بدلًا من إخضاعهم أو دفعهم إلى القبول بالإجراءات المفروضة عليهم.
وقال إن الاحتلال لا يترك أي متنفس لسكان المنطقة والمدينة المقدسة، معتبرًا أن التضييق المتواصل يدفع السكان باتجاه التصعيد الشعبي ردًا على محاولات السيطرة على تفاصيل حياتهم وحرمانهم من ممارسة أنشطتهم.
وربط معروف هذه الإجراءات بمحاولات دفع الفلسطينيين إلى الهجرة من القدس والضفة الغربية، لكنه رجّح أن تؤدي إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في تصاعد الغضب والمواجهة الشعبية. وحذّر من مآلات سياسة الضغط في ظل انحسار المساحات المتاحة للحياة الطبيعية.
وعلى المستوى الرياضي، أدان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم (تابع للسلطة الفلسطينية) قرار منع أنشطة النادي، معتبرًا أنه يستهدف حق الأطفال والشباب في ممارسة الرياضة والتعلم والمشاركة المجتمعية، ويقوّض دور الأندية في توفير بيئة تربوية واجتماعية آمنة.
وطالب الاتحاد الهيئات الرياضية الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجنة الأولمبية الدولية، باتخاذ خطوات لحماية المؤسسات الرياضية الفلسطينية وضمان استمرار عملها، وعدم الاكتفاء بمواقف الإدانة، محمّلًا سلطات الاحتلال مسؤولية تداعيات القرار.
وفي مواجهة آثار الإغلاق، دعا إبراهيم إلى استعادة الزخم الاجتماعي والخيري الداعم للقدس، عبر توسيع التبرعات وإنشاء صناديق لمساندة المقدسيين خارج الأراضي المحتلة، وربط هذا الدعم بمبادرات ومؤسسات داخل المدينة تعوّض النقص في الخدمات والأنشطة.
وأكد أن دعم المؤسسات الأهلية يحافظ على أدوات الصمود المتاحة للسكان؛ فاحتضان الشباب وتوفير الرعاية للفئات المحتاجة يساعدان المقدسيين على مواصلة حياتهم في مدينتهم، ويحدّان من قدرة الاحتلال على استثمار الفراغ الذي تخلّفه قرارات الإغلاق.
وتعود نشأة النادي إلى عام 1976، وفق وثيقة خطة طوارئ البلدة القديمة في القدس المنشورة على موقع مؤسسة الرؤيا الفلسطينية. وتوضح الوثيقة أن أنشطته تستهدف الأطفال والشباب والنساء وكبار السن، وأنه يضم ملاعب لكرة القدم والسلة، وقاعات رياضية وأخرى للمحاضرات، ومختبرًا للحاسوب؛ وهي مرافق تعكس امتداد وظيفته إلى مجالات تربوية واجتماعية، إلى جانب الرياضة.