رسالة قرآنية من محرقة غزة

  • السبت 30, أغسطس 2025 08:47 ص
  • رسالة قرآنية من محرقة غزة
في محرقة غزة، حيث اجتمعت النار بالتجويع، وسُلِّط الحديد على اللحم الفلسطيني، تحوّلت المدينة إلى مسرح امتحان إنساني بلا ستار. هناك، في حطام البيوت المدمرة، ترتفع “مراكز النزوح” كأيقونات للخذلان الكوني، بينما ينبض قلب البطولة الشعبية بين الركام والحطام. لا مأوى إلا مدارس منهارة، لا سقف إلا دخان المستشفيات المحترقة، ولا غطاء سوى علم أمميّ عاجز عن رد قذيفة أو إيقاف مجزرة.
رسالة قرآنية من محرقة غزة
د. محمد المدهون
فَأووا إِلَى الكَهف (الكهف: 16)
في محرقة غزة، حيث اجتمعت النار بالتجويع، وسُلِّط الحديد على اللحم الفلسطيني، تحوّلت المدينة إلى مسرح امتحان إنساني بلا ستار. هناك، في حطام البيوت المدمرة، ترتفع “مراكز النزوح” كأيقونات للخذلان الكوني، بينما ينبض قلب البطولة الشعبية بين الركام والحطام. لا مأوى إلا مدارس منهارة، لا سقف إلا دخان المستشفيات المحترقة، ولا غطاء سوى علم أمميّ عاجز عن رد قذيفة أو إيقاف مجزرة.
شعب اقتلع من بيته وذاكرته، فآوى إلى كهوف الخوف واليقين، نام على بلاط الأمل، ارتشف القرآن، علم أبنائه على أطلال الفصول، وغسل جراحه بصبر الأنبياء، وردد مع الأرامل: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾… لا مفر إلا الوفاء لعهد الشهداء.
أكثر من مليوني فلسطيني — أي نحو 90% من سكان القطاع — يعيشون اليوم في أكثر من 200 مركز نزوح، من بينها حوالي 150 مدرسة تحولت إلى حصون تعليمية مؤقتة، حيث يواصل الأطفال حلم المعرفة وسط أصوات القذائف، وصرخة الدمار.
مليونا نازح ينتظرون غوثًا لا يأتي، وسط 191 مجزرة موثقة استهدفت مراكز النزوح مباشرة، سقط فيها المئات من المدنيين، بينهم آلاف الأطفال والنساء. 34 مركزًا للنزوح تحولت بفعل القصف إلى ركام أو مقابر جماعية، خرجت عن الخدمة، دفنت مئات الشهداء دون وداع كريم.
ولكن وسط هذه المحنة، لم تنكسر الروح. أهل غزة حولوا مراكز النزوح إلى حلقات تحفيظ القرآن، علموا أطفالهم الصبر والقيم، وأطلقوا برامج دعم نفسي استفاد منها أكثر من 15,000 طفل نازح.
في كل زاوية، برزت أكثر من 100 “تكية” ومبادرة شعبية لتقديم الطعام الساخن والوجبات الطارئة، تطعم آلاف العائلات يوميًا، وسط نقص حاد في المواد الغذائية والمساعدات.
هذه ليست أرقامًا، بل ملحمة كفاح وعناد. حرب إبادة تدار ببرمجة نفسية وأيديولوجية، {يُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} (البقرة: 205)، حيث تُجرف الأرض والإنسان معًا، وتُحاك خطة تهجير قسري، من الشمال إلى الجنوب، وفق فقاعات سكانية لإخضاع الحاضنة الشعبية التي ترفض الانكسار.
كلما اشتدت النار، ازداد العنفوان. المقاومة تتجدد بذكاء وإصرار، والخسائر تتضاعف في صفوف العدو الذي يترنّح فاقدًا للبوصلة والمخرج.
يا أهل غزة، يا صمود الأرض وجمرها الذي لا ينطفئ، يا من كتبتم بدمائكم ملحمة الحياة في الشوارع والحواري، اسمعوا صدى التاريخ في أنفاسكم وأنتم واقفون كالجبال، رغم القصف والرصاص والدبابات، رغم الظلام والجوع وفقدان المنازل. ترفضون أن تُسلب أرضكم، ترفضون أن يقرر عنكم من لا يعرفكم، من لا يعرف معنى صمودكم.
في كل زاوية، يُحكى عن الشهداء الذين ملأوا الطرقات والبيوت، عن الأطفال والنساء الذين صمدوا رغم كل محاولة للنزوح القسري، عن الأمهات اللاتي أبين أن يغادرن الأرض التي روتها دماؤهم وعرقهم. غزة لم تموت، ولن تموت، فهي قلب الأمة النابض، وجذر القضية الصامد، وأمل الأجيال القادمة.
فلنرفع أصواتنا، لنكن سيف غزة ودرعها، لنؤكد للعالم أن هذه الأرض لنا، وأن دماء الشهداء لم تذهب سدى. غزة ستبقى شاهدة على البطولة، على الصمود، على عزيمة لا تقهر، وعلى حق لا يزول. فليعرف كل من يظن أنه قادر على اقتلاعنا، أن غزة ستبقى حرة، وأن أهلها سيبقون في ركام بيوتهم وخيام كهفهم، صامدين، متحدين، أبطالاً لا تنكسر عزيمتهم.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل سورة تُتلى على أنقاض الأمم، كهف للحق حين تخلى عنه العالم، قلعة في زمن الانهيار، وصوت يقول بثبات: لن نُهزم، حتى ونحن بين الركام وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأووا إِلَى الكَهفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً} (الكهف: 16)