"محو فلسطين"... كتاب للمصور أحمد البظ يجسد بـ"الصورة" النكبة

  • السبت 30, مايو 2026 09:02 ص
  • "محو فلسطين"... كتاب للمصور أحمد البظ يجسد بـ"الصورة" النكبة
في مواجهة محاولات طمس الهوية الفلسطينية ومحو الذاكرة الجمعية، تبقى الصورة وثيقة حيّة وشاهدة على المكان والإنسان.
"محو فلسطين"... كتاب للمصور أحمد البظ يجسد بـ"الصورة" النكبة الفلسطينية
الناصرة(فلسطين المحتلة)-قدس برس
في مواجهة محاولات طمس الهوية الفلسطينية ومحو الذاكرة الجمعية، تبقى الصورة وثيقة حيّة وشاهدة على المكان والإنسان.
ومن بين من سخّروا عدستهم وقلمهم لحراسة هذه الهوي، يبرز المصوّر والصحفي الفلسطيني أحمد البظ عبر مشروعه البصري الأول "محو فلسطين" (The Erasure of Palestine)، الذي يوثّق ما تبقّى من القرى والبلدات الفلسطينية المهجّرة والمدمّرة منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم.
ففي مقهى أدبي، كان بيتا قديما تعرض للقصف من طائرات الاحلال قبل نحو 25 عاما في البلدة القديمة لمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، جلس البظ -35 عاما- على كرسي خشبي، وعلى الطاولة وضع جهاز "لابتوب" موصول بشاشة عرض على الحائط خلفه، حيث استعرض على مدة خمسين دقيقة قصة كتابه الأول "محو فلسطين" الذي يوثق بالصورة آثار النكبة الفلسطينية المستمرة، من خلال رصد عشرات القرى والمدن والمواقع الفلسطينية التي تعرضت للتهجير والمحو منذ عام 1948 وحتى اليوم.
الكتاب، الصادر باللغة الإنجليزية، جاء ثمرة رحلة تعلّم ذاتي استمرت ثلاث سنوات، تنقّل خلالها البظ بين عشرات المواقع الفلسطينية المهجّرة داخل الخط الأخضر والجولان المحتل والضفة الغربية، موثقًا بالصورة والبحث والخرائط آثار المحو التي طالت الأرض والذاكرة الفلسطينية. ويضم العمل أرشيفًا بصريًا يوثق نحو 200 قرية وبلدة فلسطينية من أصل أكثر من 530 موقعًا تعرّضت للتطهير العرقي والتدمير منذ النكبة.
ويعيد الكتاب طرح النكبة الفلسطينية بوصفها إطارًا نظريًا أساسيًا لفهم الواقع الفلسطيني الراهن، خاصة ما يتعلق بقطاع غزة، الذي يشكّل اللاجئون نحو 80% من سكانه، ممن هُجّروا من أكثر من 190 مدينة وقرية فلسطينية عام 1948.
ويؤكد البظ لـ"قدس برس" أن رسالته الأساسية من الكتاب تتمثل في رفض التعامل مع النكبة باعتبارها «حدثاً تاريخياً انتهى»، مشدداً على أن النكبة ما تزال مستمرة بأشكال مختلفة، سواء عبر اللجوء أو التهجير أو الاستيطان.
وفي حديثه عن بداية المشروع، أوضح أن الفكرة انطلقت من تجربة شخصية، بعد حصوله على تصريح مكّنه من الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أواخر عام 2020، ليبدأ بجولات تصويرية هدفت في البداية إلى تعليم نفسه فن التصوير والتوثيق، قبل أن تتحول إلى مشروع بصري متكامل يوثق القرى الممحوة من الجغرافيا الفلسطينية.
حجارة وأعشاب
وأشار إلى أن كثيرًا من هذه المواقع لم يبقَ منها سوى حجارة متناثرة أو بقايا مبانٍ غطّتها الأعشاب، فيما تحولت قرى أخرى إلى مستوطنات أو منتجعات سياحية يسكنها مستوطنون، كما هو الحال في عين حوض وإجزم وعين كارم.
ويضيف: "حتى اليوم، تقف آلاف المباني الفلسطينية داخل المستوطنات، أو في محيطها، بل ويستعمل المستوطنون بعضا منها، فما الذي أتى بمسجد مغلق وسط مستوطنة يهودية لا يعيش فيها مسلمون؟ وماذا تفعل كنيسة مهجورة وسط مستوطنة يهودية لا يعيش فيها مسيحيون؟".
ويؤكد أنه شاهد مساجد تُستعمل حظائر للحيوانات، ومقابر محاطة بأسلاك كهربائية، ومنازل فلسطينية تحولت إلى نزل للفنانين، وهي بعض قليل من شواهد نزع الملكية التي يمكن للجائل ملاحظتها اليوم.
وأشار إلى أن مدناً فلسطينية كبرى شهدت عمليات تهجير شبه كاملة، موضحاً أن مدينة حيفا كان يقطنها نحو 73 ألف فلسطيني قبل النكبة، تم تهجير نحو 70 ألفاً منهم، فيما شهدت مدينة يافا تهجير أكثر من 117 ألف فلسطيني من أصل 120 ألفاً كانوا يعيشون فيها، وفق ما أورده المؤرخ الراحل عبد القادر ياسين.
أكثر ما ترك أثرًا نفسيًا لدى المصور الفلسطيني كان مدينة يافا، التي وصفها بأنها "المدينة الفلسطينية الكبرى التي جرى اقتلاع أهلها وتدمير ملامحها"، مشيرًا إلى أن نحو 98% من سكان يافا الفلسطينيين هجّروا خلال النكبة.
ووصف البظ صورة حي المنشية في يافا بأنها من أكثر الصور تأثيراً بالنسبة له، مشيراً إلى أنه وقف أمام مسجد حسن بيك في مدينة "تل أبيب" الحالية، متأملاً حجم الدمار الذي تعرضت له المدينة الفلسطينية، والتي كانت تُعد من أبرز المراكز الحضرية الفلسطينية قبل النكبة.
الجولان والضفة
وبيّن أن بعض القرى الفلسطينية تعرضت لمحو كامل، "حتى لم يعد فيها أي وجود عربي"، مضيفاً أن الأمر ذاته تكرر لاحقاً في الجولان السوري المحتل -الذي زاره ليومين فقط-، حيث جرى تدمير أكثر من مئة قرية وبلدة عقب احتلاله عام 1967، ولم يتبق سوى خمس قرى سورية مأهولة.
وأوضح البظ أن أحد فصول الكتاب يتناول أيضاً التهجير القسري في الضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر، مشيراً إلى أن نحو 59 تجمعاً فلسطينياً تعرضت للإفراغ الكامل من سكانها بفعل اعتداءات المستوطنين، خاصة في مناطق الأغوار ومسافر يطا.
بلا بشر
وقال إن الكتاب يخلو من وجود البشر في معظم الصور، «لأن البشر لم يعودوا موجودين أصلاً في هذه الأماكن»، موضحاً أن الصور تركز على ما تبقى من البيوت والآثار الفلسطينية، مقابل التوسع الاستيطاني المحيط بها.
وحول اختيار اسم الكتاب، أوضح أن مفهوم «المحو» جاء انعكاسًا لما شاهده على الأرض، حيث تحوّلت القرى الفلسطينية إلى أماكن مخفية تحتاج إلى جهد للوصول إليها، مضيفًا أن المشروع بدأ أساسًا كمعرض بصري ومقالات صحفية قبل أن يتبناه ناشر في اسكتلندا ويصدر في كتاب مطلع العام الجاري.
ويؤكد المصور الفلسطيني أن التوثيق البصري بات أحد أشكال المقاومة وحفظ الرواية الفلسطينية، رغم شعور كثيرين بالعجز أمام حجم الجرائم والانتهاكات المستمرة. وقال إن «الصورة تبقى شاهدة حين يُراد للإنسان والمكان أن يُمحيا»، معتبرًا أن ما يجري اليوم في الضفة الغربية من تهجير للتجمعات الفلسطينية واستمرار الاستيطان، هو امتداد لسياسات المحو التي بدأت عام 1948.
ويتابع: لا ينبغي النظر إلى الصور الفوتوغرافية، أو ملف النكبة بشكل عام، على أنها قصص من الماضي، بل هي حاضر مستمر، طالما أن اللاجئين الفلسطينيين مجبرون على بقائهم كلاجئين، وطالما استمر الاستعمار الإسرائيلي في منعهم من العودة، في حين يسمح لأي شخص يهودي من جميع أنحاء العالم بالاستيطان في البلاد، ونيل المواطنة والحقوق الكاملة.
كما وجّه البظ رسالة إلى الجيل الفلسطيني الشاب بضرورة التمسك بالرواية التاريخية وعدم اختزال القضية الفلسطينية في حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدًا أن فلسطين التاريخية بكل مدنها وقراها المهجّرة تبقى جوهر الهوية الفلسطينية وحق العودة.
ومن المقرر أن يشهد الكتاب -التي صدرت النسخة الأولى منه باللغة الإنجليزية في "اسكتلندا"، ويجري حالياً توفير نسخ محدودة منه في الضفة الغربية عبر الطلب المسبق- جولة إطلاق في عدد من المدن الفلسطينية، إلى جانب فعاليات مرتقبة في حيفا ويافا، وسط تطلعات لترجمة العمل إلى اللغة العربية ليكون متاحًا أمام شريحة أوسع من القرّاء الفلسطينيين والعرب.