تنازلٌ لله.. مبادرةٌ تحوّل الحقوق المالية إلى مساحةٍ للمسامحة

  • السبت 12, سبتمبر 2026 08:50 ص
  • تنازلٌ لله.. مبادرةٌ تحوّل الحقوق المالية إلى مساحةٍ للمسامحة
لم تعد الحقوقُ الماليةُ بين الناس مجردَ أرقامٍ ودفاترَ وشيكاتٍ تنتظر السداد، فمبادرة (تنازلٌ لله) التي أطلقها الإعلامي علاء الريماوي، دفعت بها إلى مساحةٍ مختلفةٍ، قوامُها المسامحة والتخفيف عن المتعثرين، وتحويل جزءٍ من الحقوق المستحقة إلى بابٍ للتكافل الاجتماعي.
تنازلٌ لله.. مبادرةٌ تحوّل الحقوق المالية إلى مساحةٍ للمسامحة
الضفة الغربية - خاص قدس برس
لم تعد الحقوقُ الماليةُ بين الناس مجردَ أرقامٍ ودفاترَ وشيكاتٍ تنتظر السداد، فمبادرة (تنازلٌ لله) التي أطلقها الإعلامي علاء الريماوي، دفعت بها إلى مساحةٍ مختلفةٍ، قوامُها المسامحة والتخفيف عن المتعثرين، وتحويل جزءٍ من الحقوق المستحقة إلى بابٍ للتكافل الاجتماعي.
وخلال أيامٍ قليلةٍ، أخذت المبادرة تتوسع عبر دعوة أصحاب الحقوق إلى التنازل، كليًّا أو جزئيًّا، عن مستحقاتهم لمن يمرون بضائقةٍ ماليةٍ، لتتحول الفكرة من موقفٍ فرديٍّ إلى موجةٍ من المبادرات الفردية والجماعية، شملت مبالغَ متفاوتةً، من عشرات الشواكل إلى آلافها، ووصل مجموع ما أُعْلِنَ عن التنازل عنه إلى نحو 12 مليون شيكل (الدولار 3 شيكل) خلال خمسة أيامٍ.
قدس برس التقت بالإعلامي علاء الريماوي الذي تحدث عن هذه المبادرة من بدايتها وتطورها، حيث أكد على أن أرقام المتجاوبين والديون تحكي وتخفي وراءها قصصًا إنسانيةً متعددةً؛ مشيرًا إلى أن أصحابَ محالٍ وتجارًا وأفرادًا ومزارعين وحتى فقراء ومديونين اختاروا أن يسقطوا حقوقًا ماليةً لهم.
وبحسب الريماوي فإن المبادرة تطرح، إلى جانب بعدها الإنساني، سؤالًا أوسع حول قدرة التكافل المجتمعي على التخفيف من آثار التعثر المالي، في ظل ظروفٍ اقتصاديةٍ ضاغطةٍ جعلت الوفاء بالالتزامات المالية أكثر صعوبةً بالنسبة إلى كثيرٍ من الأسر والأفراد.
معلمةٌ تطلق الفكرة
يروي الريماوي أن المبادرة بدأت عندما تواصلت معه معلمةٌ كانت تواجه أزمةً ماليةً، وتخشى من تبعاتٍ قانونيةٍ مرتبطةٍ بشيكاتٍ مرتجعةٍ.
وبعد تواصله مع صاحب الدين، قرر الأخير مسامحتها وإسقاط حقه، هذه الواقعة دفعته إلى طرح الفكرة بصورةٍ أوسع: ماذا لو قرر كل من يستطيع أن يتنازل عن جزءٍ من دينٍ مستحقٍ له (لله)؟
ويتابع: "سرعان ما بدأت الاستجابة، وتحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى مساحةٍ للإعلان عن حالات المسامحة، حتى بلغت قيمة التنازلات نحو نصف مليون شيكل خلال أول نصف ساعة من إطلاق المبادرة، قبل أن ترتفع إلى نحو 7.5 ملايين شيكل خلال 48 ساعة، ثم إلى قرابة عشرة ملايين، وصولًا إلى 12 مليون شيكل خلال خمسة أيامٍ وفق آخر حصيلةٍ معلنةٍ في تلك المرحلة. ديونٌ صغيرةٌ وأخرى بعشرات الآلاف".
ونبه الريماوي إلى أن المسامحات لم تقتصر على مبالغَ كبيرةٍ، بل شملت ديونًا متواضعةً كانت بالنسبة لأصحابها تمثل جزءًا من رأس المال أو مصدر الدخل، وأضاف: "بعد نجاح الحملة واتساعها تواصل معي أصحاب بسطاتٍ ومحالَّ صغيرةٍ وأعلنوا تنازلهم عن مبالغَ بمئات الشواكل، فيما تجاوزت مسامحاتٌ أخرى آلاف الشواكل".
وتنوعت أشكال التنازل بين إسقاط الدين كاملًا، والتنازل عن جزءٍ منه، وإتلاف دفاتر الديون أو الشيكات، في مشاهدَ أرادت المبادرة من خلالها التأكيد على أن قيمة المسامحة لا تقاس بحجم المبلغ فقط، وإنما بقدرة الإنسان على التخلي عن حقه لمساعدة غيره.
غزة حاضرةٌ في مشهد المسامحة
وذكر الريماوي أن المبادرة امتدت أيضًا إلى قطاع غزة، حيث أقدمت سيدةٌ نازحةٌ عن تنازلها عن دينٍ بقيمة 500 شيكل، رغم ظروفها المعيشية الصعبة.
مبادرةٌ في ظل أزمةٍ اقتصاديةٍ
ويربط الريماوي المبادرة وانتشارها واتساعها بالظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، وما يرافقها من تعثرٍ في الدخل وتراكمٍ للالتزامات المالية.
ودعا الريماوي إلى عدم اقتصار المبادرة على الأفراد، بل شملت دعوته التجار والمجموعات الاقتصادية وشركات الاتصالات إلى مراجعة ملفات المتعثرين، خصوصًا أصحاب الديون الصغيرة، والنظر في تأجيل بعض إجراءات الملاحقة بحق من فقدوا مصادر دخلهم.

كما دعا المحامين والحقوقيين إلى القيام بدور الوساطة بين أصحاب الحقوق والمدينين، بما يتيح إعادة جدولة الديون والتوصل إلى حلولٍ تحفظ حقوق الطرفين.
من مبادرةٍ فرديةٍ إلى ثقافةٍ مجتمعيةٍ
ولعل أبرز ما حققته -تنازلٌ لله- أنها بدأت تتجاوز صاحبها، مع ظهور مبادراتٍ مشابهةٍ في مناطقَ أخرى، من بينها جنين، تحمل الاسم نفسه وتدعو أصحاب الديون إلى المسامحة.
وبذلك لم تعد القضية مجرد إسقاط مبالغَ ماليةٍ، وإنما محاولة لإحياء ثقافة التكافل والتراحم داخل المجتمع، خصوصًا في أوقات الأزمات.
ويلفت الريماوي إلى أن الفكرة تستند إلى قيمةٍ دينيةٍ راسخةٍ في الثقافة الإسلامية، تتمثل في إمهال المعسر والتصدق عليه، كما في قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}.
ومع ذلك، فإن المبادرة تقوم على الاختيار والقدرة، ولا تعني إلزام أصحاب الحقوق بالتنازل، إذ قد يكون الدائن نفسه بحاجةٍ إلى ماله أو يعتمد عليه في معيشته.
وفي المحصلة، يتابع الريماوي تكشف المبادرة جانبين متلازمين أولهما: حجم الضغوط المالية التي يعيشها جزءٌ من المجتمع الفلسطيني، وفي المقابل قدرة المجتمع نفسه على إنتاج أشكالٍ من التضامن خارج الأطر التقليدية.
وأشاد الكاتب والإعلامي محمد أبو علان بالمبادرة، معتبرًا أنها أسهمت في تعزيز أفعال الخير وتوسيع دائرة المسامحة والتكافل بين الناس، من الخليل وحتى جنين، بما عكس قدرة المبادرات المجتمعية المؤثرة على الوصول إلى مختلف المناطق والفئات.
وقال أبو علان إن ما فعله الصحفي علاء الريماوي يجسد المعنى الحقيقي للتأثير، موضحًا أن التأثير لا يقاس بكثرة الكلام أو الضجيج الإعلامي، وإنما بما يتركه الإنسان من أثرٍ ملموسٍ في حياة الناس، وما ينجح في تحريكه من قيمٍ إيجابيةٍ داخل المجتمع.
وأضاف أن اتساع دائرة المتفاعلين مع المبادرة وما رافقها من أعمال خيرٍ ومسامحاتٍ ماليةٍ يؤكد أن التأثير الحقيقي هو ذلك الذي يتحول من فكرةٍ إلى فعلٍ، ومن خطابٍ إلى سلوكٍ، ومن مبادرةٍ فرديةٍ إلى حالةٍ مجتمعيةٍ تتسع يومًا بعد آخر.
الكاتب سامي مشعشع اعتبر أن ما أطلقه الريماوي يتجاوز فكرة إسقاط الديون أو تأجيلها، ليمثل مبادرةً (من إنسانٍ إلى إنسانٍ، ومن قادرٍ إلى معسرٍ)، مشيدًا بما تحمله من معنىً إنسانيٍّ واجتماعيٍّ قائمٍ على تخفيف الأعباء عن أشخاصٍ باتت الالتزامات المالية فوق قدرتهم على الاحتمال.
ويرى مشعشع أن المبادرة تستعيد قيمة التكافل والعونة باعتبارهما سلوكًا اجتماعيًّا قادرًا على مساندة الناس في أوقات الأزمات، مستندًا إلى قيمةٍ دينيةٍ تحث على إمهال المعسر والتصدق عليه، وهو ما يمنح المبادرة، برأيه، بعدًا يتجاوز المساعدة المالية المباشرة إلى تعزيز روح التضامن داخل المجتمع.
وقال الناشط محمد أبو خليل إن مبادرة -تنازلٌ لله-، التي تقترب من حاجز 13 مليون شيكل، تستحق التوقف أمامها لما حققته من تفاعلٍ واسعٍ خلال فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ، معتبرًا أن حجم الاستجابة لها يعكس قدرة الأفكار التي تلامس احتياجات الناس على إحداث أثرٍ حقيقيٍّ داخل المجتمع.
وأضاف أبو خليل أن المبادرة تمثل فرصةً للأفراد والناشطين والعاملين في مؤسسات المجتمع المدني لإعادة التفكير في أساليب عملهم، ومراجعة مدى قربهم من الناس واحتياجاتهم، بما يعزز فاعلية حضورهم المجتمعي وقدرتهم على إحداث تغييرٍ ملموسٍ.
وأشاد بالمبادرة التي أطلقها الصحفي علاء الريماوي، واصفًا إياها بالإنسانية والملهمة، ومؤكدًا أن قيمتها لا تقتصر على حجم الحقوق المالية التي جرى التنازل عنها، وإنما تمتد إلى ما أحدثته من تفاعلٍ اجتماعيٍّ ورسالةٍ إيجابيةٍ في أوساط الناس.
فمن نصف مليون شيكل في الدقائق الأولى، إلى ملايين الشواكل خلال أيامٍ، تحولت المبادرة إلى مساحةٍ يلتقي فيها الدائن والمدين على فكرةٍ واحدةٍ: أن يتحول الحق المالي، حين يستطيع صاحبه التنازل عنه، إلى فرصةٍ لمنح إنسانٍ آخر بدايةً جديدةً.