وإنّ حذيفة ما زال قائماً!
د . أسامة الاشقر
أتدرون أنّ التماعة عينيه المزهرتين الحزينتين كانت ترتوي من دهن الأرض المجبولة بدماء الصاعدين إلى السماء، ومن ضياء القمر اليتيم الذي كان ينادمهم من ثقوب الأرض التي تنغلق أخاديدها على رباطهم.
كانوا كالسوسنة البيضاء الملثّمة أصيلة المنبت، الشريفة المحتد، النادرة الوجود، في حقل من الزهور النادرة التي لا تُستَنْبَت إلا بماء مبارك سماويّ لطيف؛ ولقد كان الناطق بحقّ زهرةً فتيّة بيضاء عابقة بالشذى الذي لا تشمّه إلا بعد أن يختفي عن ناظريك.
وإنّك إن رأيتَ ذا لثامٍ منهم مترجّلاً إلى الموت تحت ظل بندقيته لا يلتفت وراءه فإنّك تظنّه معجوناً بمعدن صلب لا ينكسر، ولكنّك إذا كشفتَ عن قلبه فستجدهم أرقّ الناس أفئدة، وأنقاهم سريرةً، وألطفهم جوهراً، وأعبقهم شذىً، قد صقله تواتر المِحن، ودرّبه كثرة الدخول على ميدان الموت.
وهم في نقائهم هذا تراهم ما كلّت بصيرتهم، وما وهَنوا لِما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، وما أكلتهم نهسات الخوف؛ وما أخلَدوا إلى طلب الأمان؛ وما وهنوا في ملاحقة الأوغاد، ولا لانوا عندما وجب العناد، ولا اطمأنّوا لِلَطافة خاذلٍ غادرٍ كذّاب جبان!
وما قصّروا في التفاني من أجل الحقّ الذي آمنوا به، وتواثقوا على نصرته، وقد تعاظم لديهم الشعور بالواجب والالتزام بالمسؤولية، كما كبر لديهم من قبلُ الشعور بالحق، فصاروا يعطون ولا يكادون يأخذون، وكأنّهم مهديّون ممن صنعهم الله على عينٍ منه وتدبيرٍ؛ فنالوا من الحرية أشرف أوسمتها، ومن الأنَفة أشدّ بريق فيها، ورأوا طيور الجنّة الخُضر تفتح أشرعتها لتحملهم إلى ظل العرش.
ومن أعجب ما وفّقهم الله إليه أنّهم لم يلقوا سلاحَهم، وكأنّ مخزونهم لا ينفد، فكأنّ الله يريد أن يضرب بهم أبلغ المثَل، ويوضح بفعلهم أجلَى الصور!
وقد كشف لنا أولئك الملثمون أنّ الأمة لا تعدّ بأعدادها، ولا تقدّر بأموالها، ولا توزَن بكثرتها، ولا تقاس بصغرها أو كبرها، وإنما بالتعالي عن كل هذا، والتجرّد منه إلى الانصياع للحقّ، والإيثار بالنفس.
وقد علّمونا معنى ألّا نتمنّى لقاء العدوّ، وأنّ العافية ليست في ترك العدوّ أو الركون إلى الظلم أو إيثار الهوان، وإنما في التعافي منها.
وعلّمونا ألّا نتعرّض للبلاء، ولكنّ البلاء إذا وقع بأرضنا فإنه لا ينبغي لنا أن نخرج منها، وإن ظننا أن في ذلك النجاة، لأن الثبات بالصبر واجب عند اللقاء.
كانوا يقولون لنا دائماً: إننا والله ما نخشى أولئك الأوغاد، ولا نَرهبهم، وإننا لا يردعنا شيء عنهم، فقد كسرنا أبواب حصونهم، ودخلنا عليهم عنوة، وإنّا لفاعلون.
وأخبرونا بعزّة المؤمنين أنّنا نحن غضب الله عليهم، ويده الباطشة بهم، وعذابه المصبوب عليهم، وأننا رعَينا طريق الظفر حق الرعاية بما أعددنا من أقصى ما نستطيعه كما أمرنا الله؛ وأنّ خيولنا ما تزال في الميدان تصهل، تكرّ عليهم وتفرّ؛ وأنّنا إذا شددنا على سلاحنا، وعرف كل واحد منا موقع قذيفته، وموضع عدوّه، ومكان فرصته فإننا نعانق الموت ونشنّ الحملة بلا هوادة.
إنّما المهلكة المحقّقة في انتظار العدوّ ليقصفك ويمسح محلك، وإنّك إذا لم تأت الموتَ مسترسِلاً فإنه سيأتيك مستعجِلاً، وقد وجبت نصرة أهل الثغر عليك، ووجَبَ الالتحام بحالهم، والركوب في أيّ سفينة توصل إليهم، والانخراط في أيّ عمل يحمل عنهم حيث كنتَ، وقد تأخّر الناس في ذلك حدّ الخيانة، فما أقربَ أن يحل غضبُ الله على الخاذلين والخائنين!
وإنّه إذا ارتقى حذيفة فإن حذيفة آخر قد قام مكانه، والعهد ما زال هو العهد، والقسَم ما زال هو القسم، والوعد ما زال هو الوعد، رُفعت الأقلام، وجفّت الصحف.
د . أسامة الاشقر
أتدرون أنّ التماعة عينيه المزهرتين الحزينتين كانت ترتوي من دهن الأرض المجبولة بدماء الصاعدين إلى السماء، ومن ضياء القمر اليتيم الذي كان ينادمهم من ثقوب الأرض التي تنغلق أخاديدها على رباطهم.
كانوا كالسوسنة البيضاء الملثّمة أصيلة المنبت، الشريفة المحتد، النادرة الوجود، في حقل من الزهور النادرة التي لا تُستَنْبَت إلا بماء مبارك سماويّ لطيف؛ ولقد كان الناطق بحقّ زهرةً فتيّة بيضاء عابقة بالشذى الذي لا تشمّه إلا بعد أن يختفي عن ناظريك.
وإنّك إن رأيتَ ذا لثامٍ منهم مترجّلاً إلى الموت تحت ظل بندقيته لا يلتفت وراءه فإنّك تظنّه معجوناً بمعدن صلب لا ينكسر، ولكنّك إذا كشفتَ عن قلبه فستجدهم أرقّ الناس أفئدة، وأنقاهم سريرةً، وألطفهم جوهراً، وأعبقهم شذىً، قد صقله تواتر المِحن، ودرّبه كثرة الدخول على ميدان الموت.
وهم في نقائهم هذا تراهم ما كلّت بصيرتهم، وما وهَنوا لِما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، وما أكلتهم نهسات الخوف؛ وما أخلَدوا إلى طلب الأمان؛ وما وهنوا في ملاحقة الأوغاد، ولا لانوا عندما وجب العناد، ولا اطمأنّوا لِلَطافة خاذلٍ غادرٍ كذّاب جبان!
وما قصّروا في التفاني من أجل الحقّ الذي آمنوا به، وتواثقوا على نصرته، وقد تعاظم لديهم الشعور بالواجب والالتزام بالمسؤولية، كما كبر لديهم من قبلُ الشعور بالحق، فصاروا يعطون ولا يكادون يأخذون، وكأنّهم مهديّون ممن صنعهم الله على عينٍ منه وتدبيرٍ؛ فنالوا من الحرية أشرف أوسمتها، ومن الأنَفة أشدّ بريق فيها، ورأوا طيور الجنّة الخُضر تفتح أشرعتها لتحملهم إلى ظل العرش.
ومن أعجب ما وفّقهم الله إليه أنّهم لم يلقوا سلاحَهم، وكأنّ مخزونهم لا ينفد، فكأنّ الله يريد أن يضرب بهم أبلغ المثَل، ويوضح بفعلهم أجلَى الصور!
وقد كشف لنا أولئك الملثمون أنّ الأمة لا تعدّ بأعدادها، ولا تقدّر بأموالها، ولا توزَن بكثرتها، ولا تقاس بصغرها أو كبرها، وإنما بالتعالي عن كل هذا، والتجرّد منه إلى الانصياع للحقّ، والإيثار بالنفس.
وقد علّمونا معنى ألّا نتمنّى لقاء العدوّ، وأنّ العافية ليست في ترك العدوّ أو الركون إلى الظلم أو إيثار الهوان، وإنما في التعافي منها.
وعلّمونا ألّا نتعرّض للبلاء، ولكنّ البلاء إذا وقع بأرضنا فإنه لا ينبغي لنا أن نخرج منها، وإن ظننا أن في ذلك النجاة، لأن الثبات بالصبر واجب عند اللقاء.
كانوا يقولون لنا دائماً: إننا والله ما نخشى أولئك الأوغاد، ولا نَرهبهم، وإننا لا يردعنا شيء عنهم، فقد كسرنا أبواب حصونهم، ودخلنا عليهم عنوة، وإنّا لفاعلون.
وأخبرونا بعزّة المؤمنين أنّنا نحن غضب الله عليهم، ويده الباطشة بهم، وعذابه المصبوب عليهم، وأننا رعَينا طريق الظفر حق الرعاية بما أعددنا من أقصى ما نستطيعه كما أمرنا الله؛ وأنّ خيولنا ما تزال في الميدان تصهل، تكرّ عليهم وتفرّ؛ وأنّنا إذا شددنا على سلاحنا، وعرف كل واحد منا موقع قذيفته، وموضع عدوّه، ومكان فرصته فإننا نعانق الموت ونشنّ الحملة بلا هوادة.
إنّما المهلكة المحقّقة في انتظار العدوّ ليقصفك ويمسح محلك، وإنّك إذا لم تأت الموتَ مسترسِلاً فإنه سيأتيك مستعجِلاً، وقد وجبت نصرة أهل الثغر عليك، ووجَبَ الالتحام بحالهم، والركوب في أيّ سفينة توصل إليهم، والانخراط في أيّ عمل يحمل عنهم حيث كنتَ، وقد تأخّر الناس في ذلك حدّ الخيانة، فما أقربَ أن يحل غضبُ الله على الخاذلين والخائنين!
وإنّه إذا ارتقى حذيفة فإن حذيفة آخر قد قام مكانه، والعهد ما زال هو العهد، والقسَم ما زال هو القسم، والوعد ما زال هو الوعد، رُفعت الأقلام، وجفّت الصحف.