رمضان في غزة: صيام على وقع القصف وإفطار على أمل الحياة
د. فاتن السامرائي
في غزة لا يأتي رمضان هذا العام محمّلاً بزينة الشوارع ولا بأصوات الباعة وهم ينادون على القطايف والعصائر، بل يأتي مثقلاً بصوت القصف، ومحمّلاً برائحة الغبار، وممزوجاً بصبر الناس الذين تعلّموا أن يصنعوا للحياة معنى حتى في أقسى الظروف. هنا، يتبدّل شكل الشهر الفضيل، لكن روحه تبقى حاضرة، تتنفس بين الركام، وتنبض في القلوب التي ترفض أن تنكسر.
مع اقتراب موعد الإفطار، لا ينشغل كثير من العائلات في التفكير بأصناف الطعام، بل بالسؤال الأهم: هل سيمرّ المساء بسلام؟ تجتمع الأسرة في غرفة ضيقة، أو في خيمة نصبت على عجل، أو في زاوية بيت تضرر نصفه وبقي نصفه شاهداً على ما كان. يوضع ما تيسر من الطعام فوق قطعة قماش بسيطة، ربما بعض الأرز، أو عدس، أو خبز حصلوا عليه بعد انتظار طويل في طابور المساعدات. ورغم قلة الطعام، يحرص الجميع على أن يبدوا بالإفطار كما اعتادوا: تمرة إن وجدت، وكوب ماء، ثم دعاء طويل يختصر أمنيات كثيرة، أهمها أن يحفظ الله من تبقى.
الأطفال في غزة يعيشون رمضان بعيون مختلفة. كانوا في سنوات سابقة ينتظرون الفوانيس المضيئة، ويتباهون بزينة الشرفات، ويركضون في الأزقة قبل أذان المغرب بدقائق. اليوم، يركضون أحياناً نحو ملجأ، أو يختبئون خلف جدار حين يعلو صوت الانفجار. ومع ذلك، لا تزال البراءة تجد لها مكاناً. طفل يصنع فانوساً من علبة معدنية فارغة، وطفلة تلوّن ورقة صغيرة لتعلّقها على جدار متشقق، كأنهما يعلنان أن الفرح ليس ترفاً، بل مقاومة صامتة.
في الليل، حين يصدح الأذان، يختلط صوته بأصوات بعيدة يصعب التنبؤ بمصدرها. لكن المصلين يقفون، صفوفاً متراصة، أحياناً في مسجد تضررت جدرانه، وأحياناً في ساحة مفتوحة تحت السماء. الأرض قد تكون باردة أو مغبرة، لكن القلوب دافئة بالإيمان. الدعاء في هذا الشهر يخرج من أعماق مختلفة؛ ليس مجرد رجاء فردي، بل صوت جماعي يطلب الطمأنينة لوطن بأكمله. كل سجدة تحمل حكاية، وكل دمعة تسقط بصمت تختزن وجعاً طويلاً وأملاً أطول.
النهار في غزة ليس سهلاً. الصيام يترافق مع نقص في الماء والكهرباء والوقود. كثيرون يقطعون مسافات بحثاً عن خبز أو دواء أو نقطة ماء صالحة للشرب. ومع ذلك، لا تسمع شكوى صاخبة بقدر ما ترى إصراراً هادئاً. امرأة تقف لساعات لتؤمّن وجبة بسيطة لأطفالها، ورجل يقتسم ما لديه مع جارٍ فقد بيته، وشاب يتطوع في توزيع الطعام، كأن التكافل الاجتماعي أصبح هو الزينة الحقيقية للشهر.
وعند السحور، حين يخيّم السكون النسبي، تجلس العائلات حول ما تيسر من طعام مرة أخرى. قد لا يكون هناك سوى بقايا خبز وكوب شاي، لكن الجلسة نفسها تحمل طمأنينة خاصة. يتبادلون الأحاديث الخافتة، يتذكرون رمضانات مضت كانت أكثر سعة وأمناً، ثم يعودون إلى الحاضر بإيمان أن العسر لا يدوم. في تلك اللحظات، يبدو أن غزة كلها تتحول إلى قلب واحد، يخفق ببطء لكنه بثبات.
رمضان في غزة ليس مجرد طقس ديني، بل تجربة وجودية كاملة. هو اختبار يومي للصبر، ومعنى عميق للتضامن، وصورة مكثفة لقدرة الإنسان على التكيّف مع أقسى الظروف دون أن يفقد إنسانيته. قد تغيب الأضواء عن الشوارع، وقد تندر الأطعمة على الموائد، وقد يتأخر الفرح، لكن شيئاً واحداً يبقى حاضراً بقوة: الإيمان بأن بعد الليل فجراً، وبعد الضيق فرجاً.
هكذا تعيش غزة رمضانها، تصوم على وقع القصف، وتفطر على أمل الحياة، وتؤكد للعالم أن الروح التي تعرف طريقها إلى السماء لا يمكن أن يحاصرها شيء على الأرض.
د. فاتن السامرائي
في غزة لا يأتي رمضان هذا العام محمّلاً بزينة الشوارع ولا بأصوات الباعة وهم ينادون على القطايف والعصائر، بل يأتي مثقلاً بصوت القصف، ومحمّلاً برائحة الغبار، وممزوجاً بصبر الناس الذين تعلّموا أن يصنعوا للحياة معنى حتى في أقسى الظروف. هنا، يتبدّل شكل الشهر الفضيل، لكن روحه تبقى حاضرة، تتنفس بين الركام، وتنبض في القلوب التي ترفض أن تنكسر.
مع اقتراب موعد الإفطار، لا ينشغل كثير من العائلات في التفكير بأصناف الطعام، بل بالسؤال الأهم: هل سيمرّ المساء بسلام؟ تجتمع الأسرة في غرفة ضيقة، أو في خيمة نصبت على عجل، أو في زاوية بيت تضرر نصفه وبقي نصفه شاهداً على ما كان. يوضع ما تيسر من الطعام فوق قطعة قماش بسيطة، ربما بعض الأرز، أو عدس، أو خبز حصلوا عليه بعد انتظار طويل في طابور المساعدات. ورغم قلة الطعام، يحرص الجميع على أن يبدوا بالإفطار كما اعتادوا: تمرة إن وجدت، وكوب ماء، ثم دعاء طويل يختصر أمنيات كثيرة، أهمها أن يحفظ الله من تبقى.
الأطفال في غزة يعيشون رمضان بعيون مختلفة. كانوا في سنوات سابقة ينتظرون الفوانيس المضيئة، ويتباهون بزينة الشرفات، ويركضون في الأزقة قبل أذان المغرب بدقائق. اليوم، يركضون أحياناً نحو ملجأ، أو يختبئون خلف جدار حين يعلو صوت الانفجار. ومع ذلك، لا تزال البراءة تجد لها مكاناً. طفل يصنع فانوساً من علبة معدنية فارغة، وطفلة تلوّن ورقة صغيرة لتعلّقها على جدار متشقق، كأنهما يعلنان أن الفرح ليس ترفاً، بل مقاومة صامتة.
في الليل، حين يصدح الأذان، يختلط صوته بأصوات بعيدة يصعب التنبؤ بمصدرها. لكن المصلين يقفون، صفوفاً متراصة، أحياناً في مسجد تضررت جدرانه، وأحياناً في ساحة مفتوحة تحت السماء. الأرض قد تكون باردة أو مغبرة، لكن القلوب دافئة بالإيمان. الدعاء في هذا الشهر يخرج من أعماق مختلفة؛ ليس مجرد رجاء فردي، بل صوت جماعي يطلب الطمأنينة لوطن بأكمله. كل سجدة تحمل حكاية، وكل دمعة تسقط بصمت تختزن وجعاً طويلاً وأملاً أطول.
النهار في غزة ليس سهلاً. الصيام يترافق مع نقص في الماء والكهرباء والوقود. كثيرون يقطعون مسافات بحثاً عن خبز أو دواء أو نقطة ماء صالحة للشرب. ومع ذلك، لا تسمع شكوى صاخبة بقدر ما ترى إصراراً هادئاً. امرأة تقف لساعات لتؤمّن وجبة بسيطة لأطفالها، ورجل يقتسم ما لديه مع جارٍ فقد بيته، وشاب يتطوع في توزيع الطعام، كأن التكافل الاجتماعي أصبح هو الزينة الحقيقية للشهر.
وعند السحور، حين يخيّم السكون النسبي، تجلس العائلات حول ما تيسر من طعام مرة أخرى. قد لا يكون هناك سوى بقايا خبز وكوب شاي، لكن الجلسة نفسها تحمل طمأنينة خاصة. يتبادلون الأحاديث الخافتة، يتذكرون رمضانات مضت كانت أكثر سعة وأمناً، ثم يعودون إلى الحاضر بإيمان أن العسر لا يدوم. في تلك اللحظات، يبدو أن غزة كلها تتحول إلى قلب واحد، يخفق ببطء لكنه بثبات.
رمضان في غزة ليس مجرد طقس ديني، بل تجربة وجودية كاملة. هو اختبار يومي للصبر، ومعنى عميق للتضامن، وصورة مكثفة لقدرة الإنسان على التكيّف مع أقسى الظروف دون أن يفقد إنسانيته. قد تغيب الأضواء عن الشوارع، وقد تندر الأطعمة على الموائد، وقد يتأخر الفرح، لكن شيئاً واحداً يبقى حاضراً بقوة: الإيمان بأن بعد الليل فجراً، وبعد الضيق فرجاً.
هكذا تعيش غزة رمضانها، تصوم على وقع القصف، وتفطر على أمل الحياة، وتؤكد للعالم أن الروح التي تعرف طريقها إلى السماء لا يمكن أن يحاصرها شيء على الأرض.