الجريمة الكبرى : إعدام الأسرى أم صمت الأمة

مقالات وأبحاث

  • الجمعة 03, أبريل 2026 10:29 ص
  • الجريمة الكبرى : إعدام الأسرى أم صمت الأمة
في لحظةٍ عصيبةٍ تمر بها الأمة العربية والإسلامية، حيث تشن قوى الظلم حربا شعواء على البلاد الإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق واليمن والسودان و اشتداد تلك الحروب في إيران ولبنان ، و حيث دخان الحرب تلك المشتعلة قد اعمى قلوب وعيون معظم قادة العرب في المنطقة ، فانه في الوقت نفسه يعيد رسم خرائط النفوذ على أشلاء الضعفاء، اذ خرج علينا "الكنيست" اليهودي بقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين ، قرارٌ لم يكن مجرد تشريع عابر، بل كان أشبه برصاصةٍ في رأس الإنسانية جمعاء، وكأن أحداً يحاول إعادة إحياء كوابيس الماضي البشعة، تلك التي شهدتها أوروبا في ظل "الحل النهائي" النازي، حيث كانت الإعدامات الميدانية وغرف الغاز عنواناً لمرحلة انحطاط الوعي الإنساني إلى درك الحيوانية.
الجريمة الكبرى : إعدام الأسرى أم صمت الأمة
علي المرشدي
في لحظةٍ عصيبةٍ تمر بها الأمة العربية والإسلامية، حيث تشن قوى الظلم حربا شعواء على البلاد الإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق واليمن والسودان و اشتداد تلك الحروب في إيران ولبنان ، و حيث دخان الحرب تلك المشتعلة قد اعمى قلوب وعيون معظم قادة العرب في المنطقة ، فانه في الوقت نفسه يعيد رسم خرائط النفوذ على أشلاء الضعفاء، اذ خرج علينا "الكنيست" اليهودي بقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين ، قرارٌ لم يكن مجرد تشريع عابر، بل كان أشبه برصاصةٍ في رأس الإنسانية جمعاء، وكأن أحداً يحاول إعادة إحياء كوابيس الماضي البشعة، تلك التي شهدتها أوروبا في ظل "الحل النهائي" النازي، حيث كانت الإعدامات الميدانية وغرف الغاز عنواناً لمرحلة انحطاط الوعي الإنساني إلى درك الحيوانية.
لكن المفارقة الأكبر أن هذا القرار لم يُستقبل بعاصفة من الرفض كما كان يجب، بل بِصَمَتٍ مُطْبِقٍ، وكأن العالم كله تخدّر، او استسلم لحكم الطاغوت الصهيوامريكي وكأن الضمير الجمعي للبشرية أصيب بالعمى والبكم. الصمت الدولي، صمت منظمات حقوق الإنسان، فشل الأمم المتحدة، ثم العار الأكبر: الصمت العربي الذي ضرب على وتر الجرح النازف، ليعلن للعالم أن الأمة التي حملت يوماً نبراس الحرية والإنسانية وكانت حامية القضايا العادلة، قد تخلّت عن دورها، ورضيت بأن تكون في مصاف المتفرجين على جريمة ذبح أبنائها ، معلنة موتها بذل الخضوع والتبعية .
قرار إعدام الاسرى الفلسطينيين ليس مجرد قرار، بل إعلان موت للقيم الإنسانية و إعلان حرب على كل القيم الإنسانية التي ناضلت البشرية قروناً لترسيخها. إنه يفتح الباب على مصراعيه لإبادة جماعية جديدة، لكن هذه المرة في صورة "قانونية" تُلبس الجريمة ثوب الشرعية، في إعادة إنتاج لمشهدية الموت ذاتها التي شهدتها معسكرات الإبادة.
هؤلاء الأسرى ليسوا مجرد أرقام، ولا هم مجرد أدوات سياسية في صراعٍ طويل، بل هم أبناء فلسطين، وقلوب أمتها النابضة. إنهم أولئك الذين تعلّمت منهم الأجيال معنى الصمود، والذين صارت قضيتهم رمزاً للعزة والكرامة. حين يُحكم عليهم بالموت، فإن الجريمة لا تطالهم وحدهم، بل تطال كل من آمن بحق الإنسان في الحياة، وكل من ظن أن القانون الدولي قادر على حماية الضعفاء، ان الصمت الدولي ازاء هذا القرار لهو صمت مخزٍ ، ازاء قرار معلنا موت الضمير الذي هتف للحرية، منذ عقود، والعالم يتشدق بمبادئ حقوق الإنسان، وينشئ المحاكم الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب، ويصنع منظمة الأمم المتحدة لتكون حارسة للسلام والأمن. لكننا اليوم، أمام هذه الجريمة النكراء، نجد أن هذه المؤسسات تعاني من انكماش في الضمير، أو ربما من انتقائية فاضحة في تطبيق المعايير.
منظمات حقوق الإنسان، التي اعتدنا أن نراها في مقدمة المدافعين عن المظلومين، تكتفي ببيانات خجولة، وكأنها تخشى أن تزعج من يمدونها بالتمويل. الأمم المتحدة، التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لتقول للعالم "لا للإبادة"، باتت اليوم مسرحاً للخطابات المنمقة التي لا تُحدث أثراً، ومجلس الأمن فيها تحوّل إلى حلبة صراع تُستخدم فيها الفيتوات لحماية الجلاد قبل الضحية.
هذا الصمت ليس مجرد تقصير عابر، بل هو تواطؤ صريح يكسب الجريمة شرعية غير مباشرة، ويشجع مرتكبيها على المزيد. إنه يبعث رسالة للعالم أن دم المسلم لا قيمة له ، وأن القانون الدولي إنما هو أداة لخدمة مصالح الطواغيت لا لحماية الحقوق.
الصمت العربي بين المجد التليد والحاضر البليد
إذا كان الصمت الدولي متوقعاً في ظل موازين القوى الدولية، فإن الصمت العربي يمثل الجرح الذي لا يندمل، والمأساة التي تضاعف المأساة. فكيف لأمةٍ رفعت شعارات الوحدة والتحرير، وأقامت الجامعة العربية لتكون لسان حالها، وأسست منظمة التعاون الإسلامي لتجسد وحدتها الروحية، أن تقف اليوم مكتوفة الأيدي أمام جريمة بهذا الحجم؟
لقد تحولت الجامعة العربية من منبر للعمل القومي المشترك إلى مسرح للبيانات الجاهزة، تصدر بيانات الاستنكار وكأنها تنعى نفسها قبل أن تنعى الضحايا. لقد تحولت القمم العربية إلى ساعات من الخطابات الباردة التي لا تغير في الواقع شيئاً، وكأن القضية الفلسطينية أصبحت مجرد "بند" على جدول الأعمال، يُناقش ثم يُؤجل، بينما الدماء تسيل والقدس تئن تحت وطأة الاحتلال.
أما منظمة التعاون الإسلامي، فما أشد حاجتنا اليوم إلى سؤالها: أين أنتِ من هذه الجرائم؟ أين أنتِ من استهداف المقدسات الإسلامية في القدس والخليل؟ أين أنتِ من محاولات تهويد المسجد الأقصى؟ أين أنتِ من صمتك المخزي على استهداف المسلمين في فلسطين ولبنان والعراق واليمن والسودان وإيران؟
لقد آن الأوان لنقولها صراحة: إن الأمة التي لا تستطيع حماية أسرى فلسطين من حكم الإعدام، لا تستحق أن توصف بأمة. وإن الأنظمة التي تلتزم الصمت في هذه اللحظة التاريخية، تغامر بفقدان شرعيتها أمام شعوبها، لأن الشعوب لن تنسى أبداً من وقف معها في ساعة الشدة ومن تخلى عنها.
الفرصة الأخيرة: الصراع الدائر بين إيران وأمريكا وإسرائيل
اليوم، والصراع يشتعل بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، تجد الدول العربية، لا سيما دول الخليج، نفسها أمام فرصة تاريخية لا تعوض لاستعادة دورها القومي. هذا الصراع ليس مجرد مواجهة بالوكالة، بل هو معركة وجودية تعيد تشكيل المنطقة بأكملها، وتضع الدول العربية أمام خيار مصيري: إما أن تظل في ثوب التبعية والخضوع ، وإما أن تقرع جرس المبادرة وتستثمر أوراق قوتها الحقيقية.
إن دول الخليج العربية تمتلك أوراقاً نفوذية هائلة، ربما لا تمتلكها أي دولة أخرى في العالم. القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، والاستثمارات الضخمة، والعلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، تشكل جميعها أدوات ضغط حقيقية إذا ما أحسن استخدامها. إن التهديد بطرد القواعد الأمريكية، أو إعادة النظر في الاتفاقيات الأمنية، ليس مجرد خيار سيادي، بل هو ورقة الرهان الأخيرة التي يمكن أن تُحدث توازناً حقيقياً في المعادلة.
تخيلوا للحظة : لو ان بعض الدول العربية، اتخذت قراراً جريئاً بالتهديد بطرد القواعد الأمريكية ما لم يتم إلغاء قانون إعدام الأسرى ووقف العدوان على غزة، وهذه الحروب الحائرة ، كيف سيكون رد فعل واشنطن؟ كيف سيكون تأثير ذلك على صورة هذه الدول في قلوب شعوبها؟ إنها لحظة المجد التي تخلدها الأجيال، لحظة تقول فيها الأمة للعالم: نحن هنا، ولن نقبل بأن تكون قضيتنا سلعة في أسواق السياسة.
المطلوب: موقف عربي إسلامي لا يقبل التأجيل
الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى موقف موحد لا يقبل التأويل، موقف يستخدم كل أدوات الضغط المتاحة، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، لفرض إنهاء العدوان وإلغاء القوانين العنصرية. المطلوب ليس بيانات استنكار ولا قمم صورية، بل فعل سياسي جريء يثبت أن العرب لم يموتوا بعد، وأن دماء الفلسطينيين و المسلمين ما زالت تسري في عروقهم.
المطلوب إعادة تفعيل الجامعة العربية كأداة ضغط حقيقية، أو الاعتراف بفشلها والبحث عن آليات جديدة. المطلوب فصل العلاقات الطبيعية مع إسرائيل عن أي تقدم في مسار السلام، فلا امن ولا سلام دون حل عادل يضمن حقوق الفلسطينيين كاملة. المطلوب تحرك إسلامي موحد يخرج عن صمته المريب، ويضع مصالح الأمة فوق أي اعتبارات أخرى.
أيها العرب، أيها المسلمون، أين أنتم من هذه الجريمة؟ أين أنتم من دماء الأسرى التي ستُراق غداً إن لم تتحركوا اليوم؟ لقد سئمت الشعوب من انتظاركم، وملّت من خطاباتكم، وأضحت تتابع بألم صمتكم المخزي على قضية هي لب وجودها وروح عزتها.
إن التاريخ لن يرحم من سكت عن الحق، والضمير الإنساني لن يغفر لمن تفرج على جريمة وهو قادر على إيقافها. أمامكم اليوم خياران لا ثالث لهما: إما أن تخلعوا ثوب التبعية وتستعيدوا دوركم القومي، فتكونوا كما كان أجدادكم عربا احرارا ، أصحاب مجد تليد، وإما أن تبقوا أسرى صمتكم وتفرقكم، فتكونوا كما أنتم اليوم حاضراً بليداً يمر على التاريخ دون أن يترك أثراً.
لكن تذكروا جيداً، ان الأنظمة التي تتخلى عن شعوبها في ساعة الشدة ، لن تجد لها مكان في ساعة الرخاء. فإما أن تختاروا اليوم أن تكونوا مع الحق، وإما أن تختاروا أن تكونوا اذلاء خانعين صامتين ازاء ما يحدث من حرائق يندى لها جبين الإنسانية ، لكن تذكروا أن الصمت اليوم هو شهادة وفاة ليس فقط للأسرى، بل لمستقبل الأمة بأكملها.
لقد آن الأوان أن نقف معًا، عربًا ومسلمين، وقفة رجل واحد، لنقول للعالم: نحن جسد واحد لا تفرقنا الحدود. بوحدتنا نسترجع عزتنا، وبموقفنا نمحو وصمة العار، وبجرأتنا ننقذ أسرى فلسطين. ونخمد نيران الحروب، فهل نحن فاعلون ؟ ، أم سنظل أمة تنام على أمجاد الماضي وتستيقظ على جراح الحاضر؟