من أنقذ أمريكا وأخرجها من وحل الحرب الإيرانية؟

مقالات وأبحاث

  • الأربعاء 08, أبريل 2026 11:53 ص
  • من أنقذ أمريكا وأخرجها من وحل الحرب الإيرانية؟
هل تمثل تصريحات ترامب الأخيرة، التي تتراوح بين السبّ والتهديد بتحويل إيران إلى "جحيم" و"عصور حجرية" ، تعبيراً عن فائض قوة، أم أنها انعكاس لأزمة بنيوية في إدارة الحرب؟
من أنقذ أمريكا وأخرجها من وحل الحرب الإيرانية؟
د هشام توفيق
هل تمثل تصريحات ترامب الأخيرة، التي تتراوح بين السبّ والتهديد بتحويل إيران إلى "جحيم" و"عصور حجرية" ، تعبيراً عن فائض قوة، أم أنها انعكاس لأزمة بنيوية في إدارة الحرب؟
تحليل هذا الخطاب لا يمكن فصله عن منطق "الإكراه الاستراتيجي"، حيث تُستخدم التهديدات القصوى ليس فقط كأداة ردع، بل كآلية لتعويض فجوة بين الأهداف المعلنة والقدرات الفعلية على تحقيقها. معناه أن حدة الخطاب قد تكون في بعض الحالات مؤشراً عكسياً، وكلما ارتفعت النبرة دلّ ذلك على تراجع فعالية الأدوات الصلبة على الأرض.
ضمن هذا السياق، يبدو أن الحالة الراهن في عقلية ترامب تعكس وصولاً إلى "عنق الزجاجة" حيث فشلت المرحلة الأولى (إسقاط النظام)، وتعطلت المرحلة الثانية (التفاوض كأداة اختراق)، ما أدى إلى انتقال الخطاب من أداة ضغط محسوبة إلى أداة تعويض نفسي وسياسي. ونرصد هنا أهم الأزمات التي باتت أمريكا تعاني منها بسبب تكتيك المهل الفاشل والفرص الزمنية..
أولاً: فشل التكتيك وانحشار الخطط
انحشار الخطط التكتيكية الأمريكية الصهيونية لا يعني فقط العجز لتحقيق الأهداف، بل هو أيضاً فقدان القدرة على التحكم في تسلسل التصعيد ضد إيران. فقد تم تصميم المهلة الزمنية والتفاوض كآلية لإنتاج "سلسلة تأثير" تبدأ بإشعال توتر إقليمي خليجي محدود، ثم توجيهه نحو مواجهة أوسع تُستثمر فيها الضربات المتبادلة لتبرير تدخلات أكبر. غير أن هذا المسار اصطدم بثلاثة عوائق :
- فشل هندسة السلوك الإقليمي: فلم تنخرط الأطراف الخليجية في المسار المتوقع بالدرجة المطلوبة، ما أفشل سيناريو سحب إيران إلى رد فعل محسوب متصاعد.
-مرونة الاستجابة الإيرانية: طهران لم تتفاعل وفق السيناريو المفترض، بل اعتمدت سياسة امتصاص الصدمة وتفكيك الضغوط والبحث عن أوراق.
-انخراط الجبهات : وجود قوى موازية من لبنان واليمن تجعل من الصعب ضبط إيقاع التصعيد.
بالتالي، لم يتحقق الهدف الأمريكي المركزي وهو صناعة بيئة ضغط متصاعد تقود إلى تنازل سياسي وعسكري إيراني. بل تحولت الأداة التكتيكية الزمنية في سياسة إيران إلى عامل كشف لحدود القدرة على مواجهة الحرب دون استسلام.
ثانياً: استنزاف الأدوات والبحث الأمريكي عن مخرج
التصعيد الخطابي الأمريكي هنا ليس مجرد تهديد، بل هو جزء من "إدارة الأزمة الاستراتيجية الأمريكية". فعندما تستنزف الأدوات التقليدية—العقوبات، الضربات المحدودة، العمليات الاستخباراتية—تتحول اللغة إلى أداة لإعادة إنتاج صورة القوة بخطاب التهديد وسياسة المهل الضاغطة. لكن هذا التحول يكشف عن ثلاث أزمات:
_أزمة فعالية: نرصدها في الأدوات الأمريكية العسكرية والمهل الزمنية الضاغطة التي لم تعد تُنتج نتائج حاسمة، بل نتائج هامشية أو مؤقتة.
-أزمة زمن: فشلت هذه المهل الزمنية وطول أمد الحرب دون حسم يؤدي إلى تآكل الهيبة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية.
-أزمة سردية: كان ترامب يعاني من أزمة الخطابات المتناقضة وسردية مشتتة تعكس أزمة الفشل الاستراتيجي الأمريكي في الحرب دون تحقيق أهداف..
من بين هذه الأزمات كانت أزمة الزمن والمهل أشد أزمة، بل وفرصة لبحث ترامب عن مخرج ومرحلة تفكير استعجالي، في مقابل طرف إيراني يصمد ويثبت ويخرج أوراقا جديدة..فيمكن قراءة “مهلة عشرة أيام” كأداة داخلية بقدر ما هي خارجية، كمحاولة لكسب وقت، وإعادة ترتيب الخيارات، وصناعة انطباع بوجود خطة، بينما الواقع يعكس بحثاً عن مخرج من مأزق متصاعد، خاصة مع تعاظم ورقة هرمز كعامل ضغط جيو-اقتصادي.
إذن لم تكن مهلة "عشرة أيام" موجهة لإيران فحسب، بل كانت مهلة لأمريكا وترامب لإيجاد مخرج من الأزمة والورطة، خصوصاً بعد تحول الأوراق الإيرانية إلى ضغط مضيق هرمز.
المهلة في البروباغندا الأمريكية كانت عملية تجميل لترامب ليبدو في موقع قوة، لكن إيران تدرك نفسيته، وربما تسخر منه ولا تخشاه، لأنها تملك أوراق قوة جديدة، وتدرك أن أمريكا سقطت في فخ الكيان الصهيوني، وأنها تبحث عن مخرج.
هذا المأزق الأمريكي الباحث عن مخرج من خلال سياسة توظيف المهل الزمنية، يمكن تشبيهه بالأزمة التي عانى منها الاحتلال في غزة في معركة الطوفان، ثم بات يبحث من خلال هدن وأزمنة كفرص للخروج من وحل غزة..
معركة طوفان غزة تكشف نمطاً متكرراً خصوصا عندما يتحول الحسم العسكري الإسرائيلي في معركة الطوفان إلى استنزاف طويل وسقوط في وحل غزة ومقبرة انكسار الاستراتيجيات، فيصبح الهدف هو "إدارة الخروج" وليس "تحقيق النصر" ، وغالباً ما يُعاد تغليف هذا الخروج بخطاب نصر رمزي.
إذا كان الكيان في غزة قد وصل، بعد عامين، إلى عنق الزجاجة وجيش منهك (كما صرّح إسحاق بريك وقادة آخرون)، وأصبح بحاجة إلى مخرج ينقذ الجيش من وحل غزة حتى لا تسقط دولة الاحتلال، فجاء تدخل ترامب كوسيلة ضغط ومحاولة لإنقاذ الجيش من قوة رجال غزة عبر صناعة صورة نصر وهمي، فإن ترامب في حرب إيران هو في حاجة كذلك لمن يخرجه من الورطة..ترامب ساهم في إخراج الكيان من مقبرة غزة وبضغط كبير حاسم من ميدان رجال الأنفاق، لكن بعدها المتورط الصهيوني حشر المنقذ الأمريكي في وحل أشد وهو حرب إيران ..
ثالثا :تحوّل ميزان المواجهة واستثمار الزمن
أمريكا تلقت الضربات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية والقانونية، ومعها الكيان الصهيوني في لبنان بسبب حزب الله، وكانت فترات التفاوض تُستعمل كنافذة لالتقاط الأنفاس ومحاولة إيجاد مخرج لأمريكا، لا كأداة ضغط حقيقية لإخضاع إيران فحسب لأنهم أدركوا في النهاية أن النظام الإيراني لن يسقط. فإما أن يجد ترامب مخرجاً سريعاً قبل تداعيات داخلية (مثل الانتخابات وخسائر استراتيجية مرتبطة بالصين)، أو يصعّد فيسقط في فخ صهيوني جديد نتيجة استمرار الحرب، بدفع من الكيان الذي يعتمد تكتيك الحروب المتراكمة والعمليات الجزئية، وربما صناعة جغرافيات معزولة كما حدث في غزة ولبنان؛ أي وقف حرب دون تسوية حقيقية، مع استمرار الحروب بشكل متقطع. أما إيران فهي أقوى استراتيجياً للأسباب التالية واستغلت فرصة المهل الزمنية لإنجاز ضربات وتجديد الورقات الضاغطة لأنها :
-تعمل وفق واقعية ميدانية دون تشتت.
-استثمرت زمن التفاوض لصالحها وراكمت أوراق قوة (هرمز، باب المندب، الصواريخ، حزب الله).
بينما كانت أمريكا تراهن على تكتيكين:
-تكتيك المهل : للضغط على إيران في هذه المهل والبحث في نفس الوقت عن حلول..
-تكتيك الاستنزاف: لإضعاف إيران اقتصادياً.
المهل كفرصة لإعادة التموضع
لم تعدك الولايات المتحدة في موقع الفاعل الوحيد الذي يحدد قواعد اللعبة، بل أصبحت طرفاً داخل شبكة معقدة من الضغوط المتبادلة، في المقابل إيران وفي هذا السياق لا تعتمد على تفوق مباشر بل على:
-تجزئة مسرح العمليات: توزيع الضغط عبر جبهات متعددة.
-تعظيم الجغرافيا: توظيف عقد استراتيجية مثل مضيق هرمز.
-إدارة الزمن: تحويل طول الحرب من عبء إلى مورد استراتيجي.
هذا النمط يُنتج ما يمكن تسميته بـ“التكافؤ غير المتكافئ”: حيث لا يوجد توازن في القوة التقليدية، لكن يوجد توازن في القدرة على تعطيل الأهداف الأمريكية . بالتالي تتحول فترات التفاوض إلى "مساحات إعادة تموضع" لالتقاط الأنفاس الأمريكية وإعادة توزيع الموارد، لا لحسم الحرب.
لكن المفارقة الخطيرة أن هذه المهل قد تنقلب على صاحبها. فهي تشبه مطرقة صاعقة تُستخدم للضغط لكنها قد ترتد. لأن تحديد وقت قصير لا يكشف ضعف الطرف الأمريكي فقط، بل يكشف أيضًا حاجة واشنطن لتحقيق نتيجة سريعة، وهنا يتحول الوقت إلى نقطة قوة بيد الطرف الآخر.
في علم الاستراتيجيات العسكرية، فإن المواعيد النهائية لا تكون فعالة إلا إذا كانت مدعومة بقدرة حقيقية على التنفيذ، وإلا قد تتحول إلى فرصة يستغلها الطرف ايراني بدل أن يخضع لها. وفي غياب وقف نار حقيقي، تتحول المهلة إلى سباق مع الزمن لفرض أمر واقع، حيث تُحسم النتائج في الميدان قبل أن تُناقش على طاولة التفاوض.
خلاصة وتقييم استراتيجي للاختلاف الجوهري بين الطرفين
يكمن الاختلاف في أسلوب ونمط التفكير بين الطرفين، فالمثال الأمريكي يسعى إلى نتائج سريعة قابلة للتسويق السياسي، ويعتمد على ضغط مكثف قصير الأمد، أما المثال الإيراني فيعمل بمنطق التراكم البطيء، وتفكيك الضغوط وتجنب المواجهة الحاسمة. هذا التباين يصنع فجوة بين الطرفين، فكلما طال الزمن اقترب النمط الإيراني من أهدافه وهو الصمود والثبات والضغط بالورقات الجيوسياسية الواقعية، بينما يواجه النمط الأمريكي ضغطاً متزايداً لتحقيق نتائج ملموسة غير واقعية.
خاتمة
التصعيد الخطابي الأمريكي لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق، فهو ليس دليلاً مباشراً على القوة، بل محاولة لتعويض فجوة في الفعالية وأداة لإدارة أزمة أمريكية، ووسيلة لإعادة فرض الحضور في مشهد يتجه نحو التعددية القطبية وعليه فإن التهديدات القصوى قد لا تكون مقدمة لحسم، بل تعبيراً عن صعوبة الوصول إليه. بالتالي المهل الزمنية كانت سياسة فاشلة لصناعة فجوة في إيران وإضعافها بضربات كثيفة بخديعة التفاوض، لكن في نفس الوقت كانت المهل، هدفها الحقيقي بعد فشلها هو إيجاد مخرج لأمريكا لينقذها من وحل الحرب الإيرانية بعد يقين أمريكي، أن النظام الإيراني لن تنفع معه خديعة المهل لإضعافه بضربات صهيونية خاصة.