الدكتورعبد الله الخباص المربي الملهم والصديق الصدوق

مقالات وأبحاث

  • الأربعاء 05, أغسطس 2026 03:47 م
  • الدكتورعبد الله الخباص المربي الملهم والصديق الصدوق
في منتصف السبعينيات تعرّفت إلى عبدالله حين كان يحضر إلى مبنى اللغات القديم حيث الفصول الدراسية لطلبة البكالوريوس والماجستير... تعرّفنا على بعض..ومن تلك اللحظة رأيت طالب علم مختلف عن أقرانه وزملائه الذين كانوا يرافقونه لحضور محاضرات الكبار في قسم اللغة العربية.
الدكتورعبد الله الخباص المربي الملهم والصديق الصدوق
د . صالح نصيرات
في منتصف السبعينيات تعرّفت إلى عبدالله حين كان يحضر إلى مبنى اللغات القديم حيث الفصول الدراسية لطلبة البكالوريوس والماجستير... تعرّفنا على بعض..ومن تلك اللحظة رأيت طالب علم مختلف عن أقرانه وزملائه الذين كانوا يرافقونه لحضور محاضرات الكبار في قسم اللغة العربية.
ومرّت الأيام و السنوات والعقود بعد تخرجنا، ولكن كانت لنا فرص للقاء سريع أثناء زياراتي الصيفية للوطن، وعرفت من متابعتي لنشاطه أنه تقاعد من وظيفته في وزارة التربية بعد خدمة طويلة في التدريس والعمل في قسم المناهج والكتب المدرسية، وانتقل للعمل في جامعة الزرقاء استاذا فعميدا لكلية الآداب. وفي إحدى الزيارات عرض عليّ العمل معه مستشارا عندما قرر أن ينتج مجموعة من الكتب لتعليم العربية للناطقين بغيرها. كنت أتواصل معه عبر الإيميل، أتلقى أسئلة ومقترحات وطلبات، وأرد عليها بإرسال المطلوب، وفي زياراتي الصيفية نلتقي في مكتبه مع المؤلفين للمراجعة والتنقيح. وخلال هذه الفترة عرفت جوانب مهمة من شخصية عبدالله. فهو ليس عالم لغة، ولا مصمم مناهج، ولا مفكرا، ولا قائدا تربويا فذا فقط، بل هو شخصية مركبة من ذلك كله، تلك الشخصية التي استطاعت أن توظف كل تلك الخبرات والمعارف والمهارات في تطوير مناهج مميزة ساهمت في تقديم اللغة العربية للناطقين بغيرها من مسلمي العالم بمحتوى واساليب تعليم مبتكرة ومبدعة، وتقدم خدمات جليلة للغة القرآن الكريم وعلوم الإسلام. وما كان لهذه الإنجازات أن تتم لولا وجود قدرات وصفات نادرة في هذه الشخصية. فهو -يرحمه الله- كان منضبطا في الوقت إلى درجة كبيرة لم أعهدها عند كثيرين ممن عرفت من العلماء والمربين. وهذا الانضباط يعكس شخصية جادّة لا تتلهى بصغائر الأمور، بل الإنجاز همه الذي لا يفارقه. وهو فوق ذلك محاور ومستمع ومتحدث لبق. وهو منصف مع المخالفين له، فقد روى الكثير من الحوادث والوقائع التي مرّت به خلال انتظامه في الدراسات العليا، فهو رغم الخلاف الفكري مع بعض أساتذته إلا أنه لم يغمطهم حقهم، فكان يتحدث عنهم بكل احترام وتقدير وعدل وإنصاف. وهذه الصفات قل نظيرها لدى الكثيرين من أصحاب الفكر والرأي. وعندما تزوره يلقاك بوجه طلق، والبسمة لا تفارق محياه، وتواضعه الكبير مع زملائه وحتى تلاميذه جزء لا يتجزأ من تلك الشخصية. كان يحدثني عن علاقاته بشخصيات كبيرة وكثيرة زاملها في الدراسة والعمل وتخالفه الرأي والفكر، ولكنه مع ذلك لم يقطع حبل الود معها لقناعته بأن الداعية الحق يرى الخير في المخالف، ولا يمنعه ذلك الخلاف من بناء علاقة احترام وتقدير معه. أما عندما يتعلق الأمر بحقوق العاملين معه، فلي معه قصة لابد من روايتها. فبعد الانتهاء من العمل معه مستشارا للتأليف، زرته للسلام عليه، فإذا به يقدّم لي مغلفا يحوي مبلغا كبيرا من المال، فسالته: ولمَ هذا المال؟ فقال يرحمه الله هذا باقي حقوقك، فقلت له قد أخذت حقوقي كاملة، فرد قائلا هذا المال حق لك، وجزاك الله خيرا. هذه الحادثة تقدم لنا نموذجا للالتزام الأخلاقي والديني مما قلّ نظيره هذه الأيام.
إن سيرة عطرة كهذه السيرة لهذه الشخصية الاستثنائية لايجوز أن تمر مرور الكرام، ففيها الكثير من الدروس والعبر لكل من اراد رؤية النماذج الحقيقية للدعاة والمربين. فالذين حملوا الشهادات وتبوأوا المناصب واشتهروا كثيرون، لكن عبد الله كان من الصفوة التي ساهمت في البناء والعمل النافع للوطن والأمة، وتعالت على الظروف والصعوبات، لتكون قدوة حقيقية لشبابنا اليوم.
رحم الله الأخ الكبيروالصديق الصدوق واسكنه فسيح جناته