قطعة من القلب تحت الركام

  • الأحد 04, أكتوبر 2026 10:37 ص
  • قطعة من القلب تحت الركام
ثلاث سنوات ظلوا تحت الركام.. ثلاث سنوات عاشتها عائلاتهم معلّقة بين الرجاء والفقد؛ لا جثمان يودعونه، ولا قبر يزورونه، ولا جواب يطفئ سؤالًا ظلّ مفتوحًا.
قطعة من القلب تحت الركام
شادي أبو صبحة
ثلاث سنوات ظلوا تحت الركام.. ثلاث سنوات عاشتها عائلاتهم معلّقة بين الرجاء والفقد؛ لا جثمان يودعونه، ولا قبر يزورونه، ولا جواب يطفئ سؤالًا ظلّ مفتوحًا.

مرت فوقهم الحرب، وتبدلت فصولها، وهدمت مزيد من البيوت، ونصبت الخيام، ونزح الناس عشرات المرات، بينما ظلوا هم في مكانهم؛ تحت الإسمنت والحجارة والتراب.

ثم جاءت اللحظة التي بدأ فيها الركام يتكلم، خلال سبعة عشر يوما من البحث والانتشال، خرجت رفات 105 شهداء من مربع التاج في شارع اليرموك، بينهم 47 طفلًا و32 امرأة.

لكنهم ليسوا أرقامًا في حكاية الإبادة، كل شهيد له قصة، وكل طفل خلفه ذكرى، وكل رفات تعيد حكاية عائلة ظلت معلقة، لا تعرف كيف تنهي وداعا لم يبدأ أصلًا.

من بين هؤلاء كان الصحفي يوسف شرف، فقد زوجته وأطفاله ووالديه وإخوته وعائلاتهم؛ 37 من أفراد عائلته رحلوا في المجزرة.

ثم اعتقل يوسف من مستشفى الشفاء، حيث لجأ بعدما هدم برج التاج، ودخل المعتقل وهو يعرف أن عائلته تحت الركام، لكنه لم يكن يعرف ماذا بقي منها.

وحين خرج من سجنه، وجد مدينة مكسورة، وبرجا لم يعد برجا، وبيتا لم يعد بيتا ولم يكن في استقباله أحد من أهله، ومنذ خروجه، كان يعود إلى المكان، يبحث عن أثر أو قطعة من حياة يعرف أنها كانت هنا.

ثلاثة أعوام والركام يحفظ سرهم، حتى جاء يوم الانتشال، ليخرج يوسف من دائرة الانتظار.

في المكان ذاته، استشهدت الصحفية دعاء شرف وطفلها عبيدة، ثلاث سنوات بقيت أشياء الطفل شاهدة على وجوده؛ رضاعته وملابسه وألعابه، أما عبيدة، فلم يبقَ منه إلا عظامه الصغيرة.

وحين وصل الصحفي محمود هنية إلى ما تبقى من طفله، لم يحتج إلى اسم أو ورقة، فقد عرفه من ملابسه ورضاعته وألعابه.

الأب الذي كان يحمل طفله ويطعمه ويلاعبه، وجد نفسه يتعرف إليه من الأشياء التي أحاطت بطفولته.

لم يحمل محمود طفله هذه المرة ليلاعبه، بل حمل ما تبقى منه؛ أشياء كانت تصنع عالما صغيرا لطفل لم يكبر، فقد نجت الأشياء من حوله، ولم ينجُ الصغير.

وفي مستشفى الشفاء، كانت تعمل تغريد الحناوي قبل أن يأتي خبر قصف برج التاج، ثلاثة أعوام انتظرت الأم أن تصل إلى ابنتها عالية، التي استشهدت مع زوجها وأطفالها الأربعة.

خمسة أسماء من قلب أم واحدة، خمسة وجوه كانت تملأ البيت، ثم صار البيت نفسه قبرا لهم.

وحين جاءت لحظة الانتشال، سارعت الأم لتمنح ابنتها وأحفادها قبرا، ومكانا أخيرا تعرف أين تذهب إليه، وينتهي سؤال السنوات الثلاث.

في غزة، كان الناس على موعد جديد مع الجنائز، وداعات مؤجلة، لم تعد الرفات تحت الأرض، صارت فوق الأكتاف.

خرجت من المكان الذي ابتلعها ثلاثة أعوام، وسارت في شوارع المدينة المتوشحة بالحزن؛ جنائز طويلة بين ركام غزة، تحفها الرحمات.

أناس يمشون خلفها، وآخرون يقفون على جانبي الطريق، وعيون تعودت الدموع، ووجوه تبحث بين الأكفان عن وجه تعرفه، أو اسم يخصه، أو حكاية تشبه حكايته.

كانت المدينة تحمل أبناءها للمرة الأخيرة، ولأول مرة منذ ثلاثة أعوام، صار للغائبين مكان؛ مكان يمكن أن يأتي إليه المشتاقون، وتوضع عنده وردة، وتقرأ الفاتحة.

صار لهم شاهد يدل على أنهم مروا من هنا يوما، وأنهم عاشوا، وأحبوا، وضحكوا، وكان لهم أهل ينتظرونهم.

أما الذين حملوهم، فربما ظلوا يحملون شيئا آخر في صدورهم.. ظلوا يحملون قطعة من القلب، انتشلت أخيرا من تحت الركام.