الذكرى العبرية لاحتلال القدس: خارطة عدوان مركب

مقالات وأبحاث

  • الخميس 14, مايو 2026 11:02 ص
  • الذكرى العبرية لاحتلال القدس: خارطة عدوان مركب
ربما يكون يوما الخميس والجمعة (14 و15 أيار/ مايو 2026) من أخطر الأيام على المسجد الأقصى المبارك منذ احتلاله، إذ أنها تتقاطع مع الذكرى العبرية التاسعة والخمسين لاحتلال القدس، وتأتي في وقت يشن فيه الاحتلال حرب تصفية على كل الجبهات، ويظن بوجود فرصة تاريخية لفرض سوابق وتغييرات تاريخية في الأقصى. وفيما يلي ملخص مركز لما يتوقع في هذه المناسبة من عدوان، وتوضيح لمعناه.
الذكرى العبرية لاحتلال القدس: خارطة عدوان مركب
زياد ابحيص
ربما يكون يوما الخميس والجمعة (14 و15 أيار/ مايو 2026) من أخطر الأيام على المسجد الأقصى المبارك منذ احتلاله، إذ أنها تتقاطع مع الذكرى العبرية التاسعة والخمسين لاحتلال القدس، وتأتي في وقت يشن فيه الاحتلال حرب تصفية على كل الجبهات، ويظن بوجود فرصة تاريخية لفرض سوابق وتغييرات تاريخية في الأقصى. وفيما يلي ملخص مركز لما يتوقع في هذه المناسبة من عدوان، وتوضيح لمعناه.
بداية، اعتادت سلطات الاحتلال بالتكامل مع منظمات الهيكل في مثل هذه المناسبة من كل عام أن تقسم اليوم بين اعتدائين:
الأول: اقتحام المسجد الأقصى صباحا وبعد الظهر، وهو اقتحام يركز على فرض مظاهر “السيادة الإسرائيلية” المزعومة على الأقصى، وذلك برفع الأعلام الإسرائيلية وترديد النشيد القومي الصهيوني في الأقصى بصوت عالٍ وبإنشاد جماعي، وبأداء طقس “السجود الملحمي” بالانبطاح الكامل على الوجه، في توظيفٍ للطقس الديني كأداة استعمارٍ وقضمٍ وتغيير هوية.. وينتهي هذا الاقتحام عادة في الثالثة مساء.
الثاني: مسيرة الأعلام، وهي منفصلة عن الاقتحام الصباحي، ويأتي فيها المستوطنون من الشطر الغربي للقدس ذي الأغلبية اليهودية إلى شطرها الشرقي ذي الأغلبية العربية، ويطوفون حول أبواب البلدة القديمة من الجهة الغربية والشمالية ليتجمعوا في ساحة باب العَمود رافعين الأعلام الإسرائيلية، ثم ليقتحموا البلدة القديمة على طول طريق الوادي الموازي للأبواب الغربية للمسجد الأقصى المبارك، وليعتدوا في طريقهم على المقدسيين بالضرب والشتم وتدمير الممتلكات، فيستعرضون سيادتهم المزعومة استعراضا يجسد ما تحمله الصهيونية من انحطاط وعداء للإنسانية بذاتها.
أما ما تحاول سلطات الاحتلال فرضه في هذه السنة تحديدا، لتستغل تقاطعها مع يوم الجمعة وكذلك مع الذكرى الـ78 لنكبة فلسطين، فهي ثلاثة أهداف تصاعدية على الشكل الآتي:
الهدف الأول والأدنى: فرض الاقتحام المعتاد: ويكون صباحا وظهرا وتليه مسيرة الأعلام مساء في يوم الخميس 14 أيار/ مايو 2026، باعتباره “احتفالا تعويضيا” عن الجمعة، وذلك لصعوبة فرضه الجمعة مع الحضور الفلسطيني الكثيف في البلدة القديمة وفي المسجد الأقصى، خصوصا وأن المعمول به منذ فرض الاقتحامات في 2003 هو وقف اقتحامات المستوطنين يومي الجمعة والسبت.
خلال هذا العدوان سيكون الهدف رفع العدد عن 2,100 مقتحم، وهو الرقم القياسي لهذه المناسبة المسجل العام الماضي، وأن يتكثف استعراض كل “مظاهر السيادة” المذكورة أعلاه، غير أنه من المحتمل أيضا أن يحاول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خلال هذا اليوم اقتحام قبة الصخرة أو الجامع القبلي بعد أن حصل مؤخرا على رأي حاخامي خاص يسمح له بذلك من حاخام حزبه دوف ليئور، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية التي يحتاج لرفع أسهم شعبيته فيها من خلال تحقيق “إنجازات” رمزية في الأقصى. واقتحام المصليات المسقوفة يقصد به استعراض “السيادة الإسرائيلية” المزعومة عليها، وتقويض ما تبقى من دور للأوقاف الأردنية وفق “الوضع القائم” التاريخي.
الهدف الثاني: تشكيل سابقة محدودة يبنى عليها: وذلك بإضافة فترة اقتحام مسائية جديدة بعد صلاة العصر، وهو ما طالب به السياسيون الـ13 ثم الـ22 في العريضتين المتتاليتين إلى قادة شرطة الاحتلال. وفرض هذه الفترة المسائية له نتيجتان: الأولى والأهم هي فرض سابقة يمكن تحويلها إلى حالة دائمة في جميع الاقتحامات اللاحقة، حيث تتكون الاقتحامات حاليا من فترتين الأولى صباحية ما بين 6:30-11:30 والثانية بعد الظهر ما بين 1:30-3:00 بمجموع ست ساعات ونصف، وإضافةُ وقتٍ مسائي بعد ساعات العمل من شأنه أن يسهم في زيادة أعداد المقتحمين وفي تمديد التقسيم الزماني لتصبح ساعات الاقتحام تسع ساعات يوميا، أما النتيجة الثانية فهي أن الاقتحام المسائي قد يسمح بأن توصل مسيرة الأعلام المسائية بالمسجد الأقصى.
الهدفان أعلاه زمانهما يوم الخميس من صباحه حتى مسائه، وقد أعلنت شرطة الاحتلال عن ترتيباتها للهدف الأول فقط، وصمتت عن كل ما بعده.
الهدف الثالث: تشكيل سابقة تاريخية باقتحام الجمعة: وهو الهدف الأهم والأكبر، إذ أن اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى يوم الجمعة لم يحصل منذ احتلاله، وهذا من شأنه أن يقوض حرمة المناسبات الإسلامية في الأقصى، إذ سبق للاحتلال اقتحام الأقصى في العشر الأواخر، وفي يوم عيد الأضحى، وفي يوم عرفة، وتريد هذه الاقتحامات في المحصلة أن تؤكد تقسيم الأقصى بين اليهود والمسلمين، بأنه حين يتقاطع وقت إسلامي مقدس مع مناسبة قومية صهيونية أو دينية يهودية فإن الاعتبار الإسلامي لا يسمو، وبأن الأقصى يُفتَح للمستوطنين كما يُفتَح للمسلمين، وكأنهم أصحاب “حقِّ متساوٍ” فيه بزعمهم..
ولأجل فرض ذلك سبق للاحتلال أن غامر بثلاثة اقتحامات كبرى، في يوم 28 رمضان من عام 2019، وفي يوم عيد الأضحى الموافق 11 آب/ أغسطس 2019، وفي يوم 28 رمضان، الموافق 10 أيار/ مايو 2021، والذي انطلقت في مسائه معركة سيف القدس بالتزامن مع انطلاق مسيرة الأعلام وأدت إلى تفريقها، وقد نجح الاحتلال بفرض الاقتحامين في 2019 لكنه فشل في 2021 أمام صمود المرابطين.
مقدمات كثيرة تقول بأن الاحتلال ماضٍ في محاولة جدية لفرض اقتحام الجمعة، إذ أعلنت منظمات الهيكل عريضة للتعهد برفع العلم الإسرائيلي في الأقصى لتُحفِّز جمهورها، ثم طالب عضو الكنيست عميت هاليفي في 1 أيار/ مايو بفرض اقتحام الجمعة، ثم في 3 أيار/ مايو وقع 13 سياسيا صهيونيا عريضة طالبت بفرض اقتحام الجمعة أو بفرض وقت اقتحام إضافي يوم الخميس إذا تعذر اقتحام الجمعة، ثم في 11 أيار/ مايو 2026 صدرت نسخة موسعة منها ضمت 22 من السياسيين، 19 منهم أعضاء كنيست عن حزب الليكود وهو ما يشكل 60 في المئة من كتلة الليكود (البالغة 32)، وشملت 9 وزراء كذلك؛ من بينهم نائب رئيس الوزراء ياريف ليفين ووزير الحرب إسرائيل كاتس.
وليس سرا أن نمط قيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يحتمل أن يوقِّع 60 في المئة من سياسيي حزبه على عريضة دون علمه، والأرجح أنها تمت بتنسيق معه لتجعل القرار بيده، ولتظهره وكأنه “يستجيب لضغوط” حين يقرر هذا الاقتحام في يوم الجمعة، ويعزز ذلك اقتراب الانتخابات ورغبته بمشاركة بن غفير في ما يحققه العدوان على الأقصى من شعبيةٍ في المجتمع الصهيوني، الذي يحمل ثقافة إبادية إلغائية متطرفة.
أما شرطة الاحتلال فأعلنت أنها ستحرس فعاليات “يوم توحيد القدس” على مدى يومي الخميس والجمعة، وأعلنت ترتيبات الأمن وإغلاق الشوارع يوم الخميس، لكنها سكتت عن يوم الجمعة تماما، بينما يتعمد نتنياهو عدم الرد والغموض، في مشهد يذكر باقتحام الأضحى في 2019؛ حين احتفظ نتنياهو بالقرار حتى اللحظة الأخيرة، ثم أصدر عشية يوم العيد وخلال صلاة العيد بيانات أنه لن يسمح بالاقتحام، لتبدأ شرطة الاحتلال في فرضه بمجرد خروج الغالبية العظمى من المصلين.
معضلة فرض اقتحام الجمعة هي الحضور الفلسطيني الكثيف المحتمل، فالرباط وشد الرحال يمكنهما إفشال الهدف الثاني والثالث، وأن يقللا من أثر الهدف الأول، ولذلك فإن الرباط في القدس وإسناده ودعمه بتحرك شعبي داخل فلسطين وخارجها هما السياج المتبقي في الدفاع عن الأقصى؛ ولا بد من تعزيزهما بالوعي والتأصيل الذي يؤسس لهما ويديم زخمهما في مواجهة موجات العدوان التاريخية على الأقصى.