عام هجري جديد

  • السبت 20, يونيو 2026 09:00 ص
  • عام هجري جديد
نحن العرب نُصابُ بالحساسية المفرطة حين نسمع مصطلح “الهجرة” ، وليس ذلك من فراغ ، فتاريخنا المتوسط والقريب عرف هجرات مذلّة فرّقت جمعنا وأذهبت ريحنا وجعلتنا لقمة سائغة في فم الأغيار
عام هجري جديد
د.أحمد داود شحروري
نحن العرب نُصابُ بالحساسية المفرطة حين نسمع مصطلح “الهجرة” ، وليس ذلك من فراغ ، فتاريخنا المتوسط والقريب عرف هجرات مذلّة فرّقت جمعنا وأذهبت ريحنا وجعلتنا لقمة سائغة في فم الأغيار ، تخاذلَ كبراؤنا فأضعنا مجدنا في الأندلس وهاجرنا ، واشتركنا بجهل مرة وتآمر مرة في ضياع مظلة الإسلام على يد الإنجليز وعملائهم في “الاتحاد والترقي” و”تركيا الفتاة” فأصبحنا مهاجرين في ديارنا ، يتسوّد علينا من لا يؤمن بقضايانا ، ويمزق جسدنا الواحد حمَلة الصليب المعاصرون ورثة الحروب الصليبية القديمة ، حتى تناغمنا مع هجرتنا المذّلة ورضينا بها ودافعنا عنها بدعوى قُطرية قدسناها وصنعنا لها تماثيل وحاربنا محاولة المخلصين لإعادتنا لوحدتنا ومجدنا ، حتى صاح الضائعون : نحن أولا ، فردّ عليهم إخوان الضياع : بل نحن أولا ، فلا والله ما أحد منهم أولا ، بل الذي حرص على تفتيتهم وضياعهم ونهب خيراتهم واستعار مجد تاريخهم فلبسه وهم يصفقون له ويهتفون لمخططاته ويفتحون أيديهم بالأرصدة التي تمكّنه أن يُحكِم الإطباق على رقابهم .
الهجرة بمفهومها الذي استعبدَنا هي التي جاءت بعد الفتح ، فتح مكة ، وهي التي حرّمها رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله : “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية” ، أما هجرة محمد عليه الصلاة والسلام من مكة المشرّفة إلى المدينة المنورة ، الهجرة التي اتخذها عمر الفاروق منطلقا للتأريخ لأحداث المسلمين ، فهي الهجرة التي صنعت الدولة ، وصنعت استقلالها عن قوى الأرض شرقها وغربها ، إنها الهجرة التي آخت بين المسلمين أبيضهم وأسودهم ، وجعلت قلوبهم على قلب رجل واحد ، وصنعت لهم الأمن الحقيقي حتى إن الراكب يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، هجرة محمد الأعظم صلى الله عليه وسلم هي التي صنعت رجالا واحدهم يهزم جيشا بأكمله ، كالقعقاع ، وصنعت قادة لا يظلم عندهم أحد كالفاروق ، وصنعت باذلين لا يخشون فقرا كذي النورين عثمان ، وأسست لحكمة أميرها علي ، وزينت أمة فيها رجل ما زاد علينا بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكن بشيء وقر في قلبه هو أبو بكر صدّيق هذه الأمة .
الهجرة النبوية ليست مجرد تقويم يعيننا على الصلاة والصيام والحج ، ولكنها بعث مبارك جديد لأمة عندما فقدت رشدها أدركت أنْ لا عودة بها إليه إلا من بوابة الغار الذي خلدته الهجرة وشرّفته ، والله غالب .