ما يبقى بعد الزلزال

  • الخميس 06, أغسطس 2026 06:14 م
  • ما يبقى بعد الزلزال
في خضمّ الحروب، يسود السؤال الآني: كم بقي من السلاح؟ لكن التاريخ، محكمة بطيئة لكنها نافذة، لا تسأل عن العتاد بقدر ما تسأل عن الأثر. فما حدث في انفجار طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، لم يطرح على العالم سؤال “ماذا لدى حماس؟” بقدر ما فرض سؤالاً أكثر إزعاجاً: ماذا تفعل المقاومة المسلحة بالتاريخ عندما تعجز عن صنع الدولة؟
ما يبقى بعد الزلزال
حلمي الأسمر
“الترسانات ليست ما يكتب التاريخ، بل التحولات التي تتركها في ضمير الأمم“
في خضمّ الحروب، يسود السؤال الآني: كم بقي من السلاح؟ لكن التاريخ، محكمة بطيئة لكنها نافذة، لا تسأل عن العتاد بقدر ما تسأل عن الأثر. فما حدث في انفجار طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، لم يطرح على العالم سؤال “ماذا لدى حماس؟” بقدر ما فرض سؤالاً أكثر إزعاجاً: ماذا تفعل المقاومة المسلحة بالتاريخ عندما تعجز عن صنع الدولة؟
التاريخ لا يقدم إجابة واحدة. فهناك من يرى أن الحركات المسلحة تُقاس بقدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة، بينما يرى آخرون أن مجرد إحداث تحول كبير في طبيعة الصراع قد يجعلها علامة فارقة، حتى لو دفعت ثمناً باهظاً. وبين هذين المنظورين يدور الجدل حول تقييم ما حدث.
لا خلاف على أن السابع من أكتوبر شكّل نقطة تحول كبرى في المنطقة. فقد أعقبته حرب واسعة النطاق، وخسائر إنسانية هائلة، وتحولات سياسية ودبلوماسية وقانونية وإعلامية ما تزال تتفاعل. كما أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من التراجع النسبي. وفي المقابل، ترتبت عليه كلفة بشرية ومادية غير مسبوقة، ولا يزال الجدل قائماً حول كيفية وزن هذه النتائج المتعارضة.
المقارنة مع تجارب مشابهة تكشف أن السلاح لا يعيش بعده، بل يعيش أثره. ففي الجزائر، صنع السلاح دولة ثم التهمها. وفي فيتنام، هزم إمبراطورية لكنه ترك جراحاً لا تلتئم. وفي أيرلندا الشمالية، تحول السلاح إلى صوت سياسي بعد أن كان رصاصاً. وفي لبنان، غيّر السلاح المعادلة دون أن يحسمها. أما حماس، فما زالت أمام مفترق طرق: هل ستسير نحو التسوية الأيرلندية، أم التآكل اللبناني، أم التحول الجزائري، أم ستخلق نموذجاً رابعاً لم تره التجارب السابقة؟
من منظور فكري، يكشف السلاح هشاشة القائم، ويعري ادعاءات القوة، ويظهر حجم الظلم المخفي. لكنه لا يبني وحده، بل يحتاج إلى لغة سياسية تستوعب هزّته وتحولها إلى منهج. وكما قال أحد الفلاسفة: هناك عنف يكرس القانون، وعنف يمحوه. والسابع من أكتوبر قد يكون من النوع الثاني، لكن السؤال الأكبر: ماذا بعد المحو؟ هل سيأتي بناء، أم سيبقى الفراغ؟
المستقبل يحمل ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
· سيناريو التسوية: تتحول حماس إلى حزب سياسي ضمن إطار وطني موحد، مع تخل تدريجي عن السلاح.
· سيناريو التآكل: تبقى حماس قوة عسكرية إقليمية، بلا مشروع دولة، في نموذج لبناني ممتد.
· سيناريو التحول: تفرض حماس نفسها كنواة لدولة عسكرية، لكنها قد تبتلعها الدولة كما حدث في الجزائر.
· وسيناريو رابع، هو الانهيار الكامل، والفوضى، واستمرار الأزمة الإنسانية دون حل.
في كل هذه السيناريوهات، يبقى العامل الحاسم هو الزمن. هل تملك القيادة الفلسطينية القدرة على تحويل الزمن العسكري القصير العنيف إلى زمن سياسي طويل مؤسساتي؟ الزمن العسكري يشبه البرق: يضيء للحظة ثم يختفي، أما الزمن السياسي فيشبه النهر: يبطئ لكنه يحفر في الصخر.
ختاماً، ليس السؤال: كم بقي من سلاح حماس؟ بل: كم بقي من إرادة الحياة لدى الفلسطينيين؟ لأن الإرادة وحدها هي التي تصنع تاريخاً جديداً، بعد أن يخفت صوت المدافع وتُلف الترسانات في غبار النسيان. والتاريخ سيحكم على هذه المرحلة، ليس بعدد الرصاصات المتبقية، بل بما تركته في ضمير الجماعات، وفي مسارات السياسة، وفي وعي الأجيال القادمة.